بين النقد والتجريح… أين أخلاق الخلاف؟ احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي

من يتابع ما يدور في الفضاء الأزرق يلحظ، بكثير من الأسف، أن مساحة الحوار تضيق يومًا بعد آخر، بينما تتسع مساحة التجريح والتخوين والتشكيك في النيات. والمؤلم أن هذا الخطاب لا يصدر دائمًا عن عامة الناس، بل كثيرًا ما يصدر عن أشخاص يُفترض أنهم يمثلون النخبة، في الوقت الذي كان المنتظر منهم أن يكونوا قدوة في حسن الاختلاف وأدب الحوار.

لقد تربى مجتمعنا على قيم الإسلام التي تجعل احترام الإنسان أصلًا، وإن اختلفنا معه، وتجعل الحجة هي وسيلة الإقناع، لا الإساءة ولا التلفيق. ولذلك لم يكن الاختلاف في الإسلام يومًا مشكلة، وإنما كانت المشكلة دائمًا في سوء إدارة الاختلاف.

فالقرآن الكريم لم يلغِ الخلاف، وإنما هذبه، فقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فالعدل لا يسقط بالخصومة، والإنصاف لا يتغير بتغير المواقف.

ولقد شهد عصر النبوة اختلافات في الفهم والاجتهاد بين الصحابة رضي الله عنهم، ورسول الله ﷺ بينهم، لكن أحدًا لم يكن يبحث عن إسقاط الآخر أو الانتقاص منه، لأن المقصود كان الوصول إلى الحق، لا الانتصار للنفس.

وإذا أسقطنا هذا الميزان على واقعنا، وجدنا أننا ابتعدنا عنه كثيرًا. فكم من عالم أو داعية أو مفكر أصبح هدفًا لحملات منظمة من التشويه لمجرد اختلاف في موقف أو اجتهاد. ومن الأمثلة التي لا تخفى ما يُكتب في حق الشيخ عبد الله بن بي، حيث تُنسب إليه أقوال ومقاصد لا دليل عليها، حتى وصل الأمر إلى اتهامه بالدعوة إلى دين جديد بسبب ما يُثار حول فكرة “البيت الإبراهيمي”. ومن حق كل أحد أن يوافق أو يخالف هذه المبادرة، وأن يناقشها علميًا وفكريًا، لكن ليس من حق أحد أن يبني أحكامه على الظنون أو أن ينسب إلى الرجل ما لم يقله. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال أيضًا: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

وفي الاتجاه الآخر، لا يختلف الأمر كثيرًا فيما يتعرض له الشيخ الددو من إساءات وعبارات لا تليق بمقام عالم من علماء الأمة. فالاختلاف مع العلماء أمر طبيعي، بل هو جزء من طبيعة الاجتهاد، لكن تحويل هذا الاختلاف إلى باب للطعن في الأشخاص أو الانتقاص من أقدارهم لا يخدم الدين ولا المجتمع. وقد قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو سقوط هيبة العلم في نفوس الناس، لأن سقوط هيبة العلماء لا يضر أشخاصهم بقدر ما يضر مكانة العلم نفسها. ولذلك رفع الله شأن أهل العلم فقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.

ومع ذلك، فإن احترام العلماء لا يعني تأليههم أو اعتبارهم معصومين، فالعصمة انتهت بوفاة رسول الله ﷺ، ولا عصمة لأحد بعده. والعالم بشر، يجتهد فيصيب ويخطئ، ويؤخذ من قوله ويُرد، كما قال الإمام مالك رحمه الله: “كل يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر.” ولذلك فإن نقد اجتهادات العلماء إذا كان بعلم وأدب وإنصاف، فهو من النصيحة، أما تحويل النقد إلى تشهير أو تصفية حسابات، فذلك خروج عن أخلاق الإسلام.

وفي المقابل، فإن العلماء أنفسهم مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكونوا قدوة في إدارة الخلاف، وأن يترفعوا عن كل ما يفتح أبواب التعصب بين أتباعهم. فالناس لا تقف عند أقوال العلماء فحسب، بل تقلدهم في طريقة تعاملهم مع مخالفيهم. وكلما ارتقى خطاب العلماء، ارتقى معه خطاب المجتمع.

ومن الحكمة كذلك أن يحافظ العلماء على استقلاليتهم، وأن يبتعدوا -قدر الإمكان- عن التخندق السياسي والاستقطاب الحزبي، حتى يبقوا محل احترام وثقة لدى مختلف أطياف المجتمع. فالأمة تحتاج إلى علماء يجمعون ولا يفرقون، ويقربون ولا يستقطبون، ويكونون ملاذًا عند اشتداد الأزمات. فإذا انخرط العالم في الاستقطاب السياسي الحاد، فقد جزءًا من قدرته على الإصلاح بين المتخاصمين، بينما إذا بقي قريبًا من الجميع، محافظًا على استقلال كلمته، استطاع أن يؤدي دوره في الإصلاح وجمع الكلمة، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.

وفي المقابل، ليس من الحكمة أن يجعل عامة الناس أنفسهم أطرافًا في خلافات العلماء، فيتناقلوا ما يقع بينهم من اجتهادات أو انتقادات بروح التعصب والانتصار للأشخاص. فخلافات العلماء لها سياقاتها وضوابطها، أما العامة فواجبهم أن يحفظوا ألسنتهم، وأن يلتمسوا الحق بأدبه، لا أن يحولوا تلك الخلافات إلى وقود للخصومات على منصات التواصل.

إن مجتمعنا اليوم أحوج ما يكون إلى إعادة الاعتبار لأدب الخلاف، لأن الأمم لا تهدمها كثرة الاختلاف، وإنما يهدمها غياب الأخلاق في إدارة ذلك الاختلاف. وحين نحفظ للناس أقدارهم، ونناقش الأفكار بدل الأشخاص، ونلتزم العدل مع الموافق والمخالف، نكون قد اقتربنا من هدي الإسلام الذي جعل الاختلاف بابًا للاجتهاد، ولم يجعله يومًا بابًا للعداوة أو القطيعة. فالنقد حق، بل قد يكون واجبًا، أما التجريح فليس من الدين في شيء، ولا يبني مجتمعًا، ولا يقيم حقًا.

زر الذهاب إلى الأعلى