أمك ثلاثا هل أدركتَ السر؟/عبد العزيز إدريوة بن عمر
بسم الله الرحمن الرحيم
أمك ثلاثا هل أدركتَ السر؟
ليس كل تكراٍ في الكلام تكرارا في المعنى فبعض الكلمات حين تتكرر، لا تريد أن تزيد في اللفظ بل أن توقظ في القلب معنى لم ننتبه إليه من قبل.جاء رجل إلى سيدنا رسول الله ﷺ فقال:
(يا رسول الله. من أحق الناس بحسن صحابتي؟قال .أمك. قال.ثم من؟ قال.أمك. قال. ثم من؟
قال. أمك.قال: ثم من؟ قال أبوك .)متفق عليه.
حديث نبوي شريف قصير في ألفاظه عظيم في دلالته. ولعل أول ما يستوقفنا فيه أن الرجل لم يسأل. من أحب الناس إليّ؟ ولا من أقربهم إليّ؟ وإنما سأل عن حسن الصحبة.
والصحبة ليست مجرد شعور في القلب إنها حضور ورحمة، وصبر وحسن معاملة ووفاء يظهر في تفاصيل الحياة.
ثم جاءت الإجابة:
أمك. أمك. أمك. ثم أبوك. وهنا يمكن أن نقف مع هذا التكرار وقفة تأملية، لا على أنه تفسير منصوص لهذه المراتب وإنما باعتباره نافذة نتفكر من خلالها بعض وجوه فضل الأم.
أمك الأولى: أم الوجود
هي التي حملتك قبل أن تعرف نفسك ومنحتك من جسدها قبل أن تستطيع أن تمنحها شيئا.
قال الله عزوجل.﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰوَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ .سورة لقمان. الآية. 14
كانت معك في أول ضعفك حين لم تكن تملك صوتا تطلب به، ولا يدا تدفع بها ولا قدما تمشي بها.
أعطتك قبل أن تعرف معنى العطاء وحملتك قبل أن تعرف معنى الحمل.
أمك الثانية: أم الرعاية
لكن عطاء الأم لا ينتهي بالولادة. فبعد أن حملتك في رحمها حملتك في حياتها. تطعمك وتسهر عليك وتحميك وتتابع مرضك، وتخاف عليك وتفرح لخطوتك الأولى، وترافقك وأنت تنتقل من العجز إلى القدرة. الولادة لحظة أما الرعاية فسنوات.ومن أعظم وجوه فضل الأم أنها تمنح في مرحلة لا يستطيع فيها طفلها حتى أن يدرك أنه يتلقى.
أمك الثالثة: أم التكوين
ثم يأتي فضل أكثر خفاء.فالأم لا ترعى جسد الطفل فقط بل تسهم مع الأسرة والبيئة والتربية، في بناء بدايات شخصيته ونظرته إلى نفسه وإلى العالم.
من قربها يتعلم الأمان، ومن صوتها الطمأنينة، ومن تعاملها نماذج أولى للحب والرحمة.
إنها لا تربي فقط بما تقول، بل بما تكون.ومن هنا يمكن أن نتأمل تكرار «أمك»
أمك في بداية وجودك وأمك في سنوات رعايتك وأمك في بدايات تكوينك.
وهذه قراءة تأملية للحديث النبوي الشريف وليست تفسيرا
لكن لماذا قال.(بحسن صحابتي)؟ هنا تكمن إحدى أجمل إشارات الحديث.
الحب شعور أما الصحبة فسلوك. قد تقول. أنا أحب أمي.
لكن هل تحسن صحبتها؟ هل تخفض صوتك إذا أخطأت؟ هلتصبر على تكرار حديثها؟
هل تمنحها من وقتك دون أن تشعرها أنها عبء؟ هل تجلس معها بقلبك لا بجسدك فقط؟
البر ليس أن تحمل لأمك مشاعر جميلة ثم تؤذيها بكلمة، أو تهجرها بحجة الانشغال.
البر أن يتحول الحب إلى صحبة حسنة.وحين تتغير الأدوار كانيوما لا يستطيع فيه الطفل أن يمشي فتحمله أمه.ثم يكبر.وقديأتي يوم لا تستطيع فيه الأم أن تمشي كما كانت، فيكون على ابنها أن يحمل عنها شيئا من تعب العمر.كان يخاف فيبحث عن يدها.ثم يأتي زمن تبحث فيه هي عن يده.
كانت تسهر على مرضه ثم يصبح من أعظم بره أن يسهر إلى جوارها.وهنا معنى يستحق أن يسكن القلب.لا تجعل قوتك الجديدة تنسيك ضعفك القديم.فالأم التي صاحبت ضعفك حين كنت عاجزا أحق بأن تصاحب ضعفها حين تعجز.حين يصبح وجود الأم أمرا عاديا من أخطر ما يحدث للنعم أن طول صحبتها يجعلنا نعتادها.نسمع صوت الأم كل يوم، فننسى كم كان صوتهايوما مصدر أمان.
نراها أمامنا فننسى أن وراء هذا الحضور سنوات من التعب والعطاء.
ثم قد يأتي يوم يغيب فيه ذلك الصوت، فنكتشف متأخرين أن ما كنا نراه عاديا كان نعمة عظيمة.
لذلك ربما لا تحتاج الأم إلى ثلاثة أضعاف الحب، بقدر ما يحتاج الابن إلى ثلاثة أضعاف الوعي بفضلها.فالإنسانلا يستطيع أن يرد جميل أمه كاملا، لكنه يستطيع أن يعيش وفي قلبه وفاء وفي سلوكه بر وفي حضوره رحمة. ثم يأتي الأب في الحديث النبوي الشريف صاحب الحق العظيم، بعد الأم مباشرة لتبقى الأسرة في ميزان النبوة دائرة من الوفاء، لا مجال فيها لنسيان فضل أحد.
حين تفهم أمك يتغير معنى البر لعل أجمل ما يوقظنا إليه الحديث أن البر ليس كلمة نقولها، وإنما علاقة نحسن صحبتها. فالأم التي حملتك وأنت لا تستطيع حمل نفسك، تحتاج منك يوما أن تحمل عنها شيئا من ثقل الحياة.والأم التي أمسكت بيدك حين كنتتخشى السقوط، قد يأتي يوم تحتاج فيه إلى يدك.
والأم التي كانت تسهر على راحتك، قد يكون أعظم وفائك لها أن تمنحها من وقتك دون استعجال، ومن صوتك دون قسوة ومن حضورك دون شعور بالثقل.
فإذا ضعفت فلا تجعل ضعفها سببا للابتعاد.وإذا كبرت فلاتجعل انشغالك بها أقل؛ بل اجعل حاجتها إليك بابا جديدا من أبواب البر.فالأم قد تغيب عن العين لكن فضلها لا يغيب عن العمر.وحينها فقط ربما نقترب من فهم ذلك التكرار النبوي العميق(.أمك. ثم أمك. ثم أمك.)
فليست القضية أن نعدّ المرات بل أن نوقظ القلب إلى المعنى.أمك.كلمة قصيرة لكن وراءها عمر كامل من العطاء.
كتبه :عبد العزيز إدريوة بن عمر
تخصص أسري والعلاقات وقيادة الشباب
المغرب
ريم شات · Rim Chat
محادثات ومكالمات صوت وفيديو، منشورات وسوق — بالعربية أولًا. حمّله مجانًا على هاتفك.