نحو سلطة تنفيذية بلا وصاية على الصحافة: مقترح لإعادة بناء منظومة الإعلام في موريتانيا
تحتاج بلادنا إلى فتح نقاش مؤسسي جدي حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والصحافة الخاصة، والانتقال من نموذج يقوم على الوصاية الإدارية وتداخل الاختصاصات إلى منظومة حديثة تفصل بوضوح بين الاتصال الحكومي، وتنظيم قطاع الإعلام، وتنظيم المهنة، وتنمية المؤسسات الصحفية.
ذلك أن المطلوب ليس دولة بلا إعلام، ولا إعلاماً بلا قانون، وإنما سلطة تنفيذية بلا وصاية على الصحافة.
فالسلطة السياسية تحتاج إلى جهاز مهني يتولى التواصل مع المواطنين ووسائل الإعلام، لكنها لا ينبغي أن تكون في الوقت نفسه جهة تمنح الصحفيين بطاقاتهم المهنية، وتقرر المؤسسات التي تستحق الدعم، أو تمارس بصورة مباشرة أو غير مباشرة تأثيراً على استقلالها التحريري.
وتؤكد تجارب الديمقراطيات العريقة هذا الفصل المؤسسي. ففي الولايات المتحدة، تحظى حرية الصحافة بحماية دستورية قوية، ولا تقوم العلاقة بين الحكومة والصحافة الخاصة على تبعية الأخيرة لوزارة تتولى إدارتها.
وفي بريطانيا، يوجد جهاز متخصص للاتصال الحكومي مهمته شرح سياسات الحكومة وإيصال المعلومات إلى الجمهور ووسائل الإعلام، وليس إدارة الصحافة المستقلة.
أما ألمانيا، فتقدم نموذجاً واضحاً للفصل بين الاتصال الحكومي وبين تنظيم وممارسة الصحافة المستقلة، إذ يتولى مكتب الصحافة والإعلام الاتحادي التواصل باسم الحكومة، بينما تبقى الصحافة خارج الوصاية الحكومية.
ومن هنا، فإن المطلوب عندنا ليس مجرد حذف كلمة «الاتصال» من اسم وزارة ثم الإبقاء على وظائف الوصاية على الصحافة داخل الجهاز التنفيذي. فقد عرفت بلادنا في مرحلة سابقة تغييراً في تسمية القطاع الحكومي المسؤول عن الإعلام، بينما ظلت وظائف مرتبطة بالعلاقة مع الصحافة والاعتماد عليها وتنمية الاتصال والإعلام ضمن الجهاز الحكومي.
ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون بتغيير الاسم، وإنما بإعادة توزيع الاختصاصات نفسها.
ونقترح، في هذا السياق، إنهاء الوصاية التنفيذية المباشرة على الصحافة الخاصة وإعادة بناء المنظومة على أساس وجود مؤسسات مستقلة ومتخصصة. حيث تتولى السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية تنظيم القطاع السمعي البصري، وضمان التعددية والمنافسة، وتنظيم التراخيص المرتبطة باستعمال الترددات والموارد النادرة، ومراقبة احترام القواعد القانونية والمهنية.
أما الصحافة الورقية والإلكترونية، فينبغي أن تقوم علاقتها بالسلطات على التصريح والتسجيل القانوني، لا على الترخيص الإداري المسبق.
وفي المقابل، يُتم تأسيس المجلس الأعلى للإعلام باعتباره هيئة مهنية مستقلة لتنظيم المهنة ذاتياً، وتُسند إليه صلاحية تسجيل الصحفي المهني ومنح البطاقة المهنية وتجديدها، إلى جانب وضع مدونة أخلاقيات المهنة، واستقبال الشكاوى، والوساطة في النزاعات المهنية، وحماية استقلال الممارسة الصحفية وحقوق الصحفيين.
كما يعاد تعريف صندوق الدعم العمومي لوسائل الاتصال ليصبح «صندوق تنمية وسائل الاتصال»، وتنقل صلاحية تسييره وتوزيع موارده إلى المجلس الأعلى للإعلام، على أساس معايير مهنية وموضوعية معلنة، بعيداً عن التدخل الحكومي المباشر.
وينبغي نشر قوائم المؤسسات المستفيدة وقيمة الدعم وأسس احتسابه، وإخضاع القرارات للشفافية والمراجعة والطعن.
ويعني ذلك أن الدعم العمومي يتحول من مفهوم الإعانة التي تمنحها السلطة إلى سياسة عامة لتنمية الإعلام واستدامته، وتمويل التكوين والتحول الرقمي والإنتاج الصحفي والاستثمار في المؤسسات المهنية. فالدولة يمكن أن تدعم الإعلام خدمة للمصلحة العامة، لكنها لا ينبغي أن تختار المؤسسات الصحفية التي تستحق الدعم وفق اعتبارات سياسية.
وتتولى سلطة الإشهار تنظيم سوق الإعلان، وضمان شفافية الإعلان العمومي، ومنع الاحتكار والتمييز في توزيعه، حتى لا يتحول الإنفاق الإعلاني الحكومي إلى أداة ضغط غير مباشرة على المؤسسات الصحفية أو وسيلة لمكافأة مؤسسات ومعاقبة أخرى.
أما وظائف الاتصال الحكومي، فتُنقل إلى مكتب أو هيئة للاتصال الحكومي تابعة لرئاسة الجمهورية أو للحكومة، تكون مهمتها إصدار البيانات الرسمية، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وتقديم المعلومات المتعلقة بالسياسات والقرارات العمومية، والتواصل مع وسائل الإعلام. ولا تكون لهذه الهيئة صلاحية تسجيل الصحفيين أو منح بطاقاتهم، أو توزيع الدعم، أو تنظيم السوق الإعلامية، أو التدخل في المحتوى التحريري.
ويكتمل هذا النموذج بإبقاء القضاء جهة الفصل في النزاعات والمخالفات القانونية، فيما تتولى الهيئات المهنية القضايا المرتبطة بأخلاقيات المهنة والانضباط الصحفي. وبذلك يصبح لكل طرف مجال واضح لا يتداخل مع مجال الطرف الآخر.
غير أن نجاح هذه المنظومة يتوقف على ضمان الاستقلال الفعلي للهيئات الجديدة والقائمة، وليس الاكتفاء بوصفها بالمستقلة في النصوص.
ويقتضي ذلك اعتماد آليات تعددية وشفافة لتعيين أعضائها، ومدداً محددة للعضوية، وضمانات للاستقلال المالي، وقواعد صارمة لتضارب المصالح، ونشر القرارات والتقارير المالية، وإتاحة الطعن القضائي في قراراتها.
وبذلك يمكن بناء معادلة مؤسسية واضحة حيث تتولى الحكومة الاتصال الحكومي؛ والسلطة العليا تنظم قطاع الإعلام والسمعي البصري؛ والمجلس الأعلى للإعلام ينظم المهنة ويسجل الصحفيين ويمنح البطاقة المهنية ويدير صندوق تنمية وسائل الاتصال؛ وسلطة الإشهار تنظم سوق الإعلان؛ والقضاء يفصل في القضايا القانونية.
إن هدف وجوهر الإصلاح المقترح ليس تقليص دور الدولة في الإعلام، وإنما إخراج الصحافة الخاصة من دائرة الوصاية التنفيذية، ووضع العلاقة معها على أساس القانون والاستقلال والشفافية والتعددية.
فالتجارب الديمقراطية العريقة لا تقوم على غياب الدولة من المجال الإعلامي، وإنما على الفصل بين الحكومة التي تتواصل، والهيئة التي تنظم، والمهنة التي تنظم نفسها، والصحافة التي تحتفظ باستقلالها التحريري لأنها سلطة رقابة لا غنى عنها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يحكم الإصلاح الإعلامي في موريتانيا ليس، من يحل محل وزارة الاتصال؟ وإنما كيف نعيد توزيع وظائفها بحيث لا تجتمع السلطة على الصحافة والتنظيم المهني والدعم والإشهار والاتصال الحكومي في يد واحدة؟
وهكذا فالمطلوب ليس دولة بلا إعلام، ولا إعلاماً بلا قانون، وإنما سلطة تنفيذية بلا وصاية على الصحافة؛ وحكومة تتواصل مع الصحفيين، لا حكومة تدير الصحفيين؛ ودولة تضمن قواعد المنافسة والحرية، لا سلطة تحدد مضمون الصحافة أو تختار من يستحق أن يكون صحفياً ومن يستحق الدعم.
خارطة تنفيذية للإصلاح
ولتحويل هذا التصور من مقترح مؤسسي إلى إصلاح قابل للتنفيذ، يستلزم الأمر اعتماد خارطة تدريجية من أربعة مراحل، تضمن عدم حدوث فراغ مؤسسي أو قانوني أثناء الانتقال.
أولاً: مرحلة التشخيص والإعداد ومدتها ثلاثة أشهر
وفي هذه المرحلة يتم تشكيل لجنة وطنية مستقلة ومحدودة العضوية، تضم ممثلين عن الهيئات المهنية والصحفية والقانونيين وخبراء الإعلام والسلطات المعنية، تكون مهمتها جرد جميع النصوص القانونية والتنظيمية التي تمنح السلطة التنفيذية اختصاصات مباشرة في مجال الصحافة والإعلام.
وتقوم اللجنة بتحديد الاختصاصات التي ينبغي إلغاؤها من الجهاز التنفيذي، وتلك التي ينبغي نقلها إلى السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، والمجلس الأعلى للإعلام، وسلطة تنظيم الإشهار، وهيئة الاتصال الحكومي، مع إعداد مشاريع النصوص القانونية والتنظيمية اللازمة.
ثانياً: المرحلة التشريعية والمؤسسية وتمتد من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر
إصدار قانون إطار جديد لمنظومة الإعلام يكرس مبدأ استقلال الصحافة الخاصة عن الوصاية التنفيذية، ويحدد بدقة اختصاص كل مؤسسة.
وفي هذه المرحلة يتم:
1. إلغاء صلاحية الوصاية على الصحافة الخاصة من الوزارة المعنية، وليس الاكتفاء بتغيير اسمها.
2. إعادة تنظيم السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية وضمان استقلالها المالي والوظيفي.
3. إنشاء المجلس الأعلى للإعلام بقانون مستقل، مع تحديد تركيبته واختصاصاته وضمانات استقلاله.
4. نقل صلاحية تسجيل الصحفي المهني وإصدار وتجديد البطاقة المهنية إلى المجلس الأعلى للإعلام.
5. إعادة تسمية صندوق الدعم العمومي لوسائل الاتصال ليصبح «صندوق تنمية وسائل الاتصال»، ونقل تسييره وتوزيع موارده إلى المجلس الأعلى للإعلام.
6. إعادة تنظيم سلطة تنظيم الإشهار، وخاصة الإعلان العمومي.
7. إنشاء هيئة للاتصال الحكومي تتولى الاتصال الرسمي دون أي اختصاص في تنظيم الصحافة أو دعمها أو التدخل في محتواها، وفي هذا الصدد يمكن الإبقاء على المكتب الإعلامي للرئاسة للقيام بهذا الدور.
8. مراجعة التشريعات المتعلقة بالصحافة الورقية والإلكترونية لتكريس مبدأ التصريح أو التسجيل، مع إبقاء نظام الترخيص الخاص بالسمعي البصري حيث تفرض طبيعة الترددات والموارد المحدودة ذلك.
ثالثاً: مرحلة الانتقال ونقل الاختصاصات ومدتها ستة أشهر
وتبدأ عملية النقل الفعلي للاختصاصات من الجهاز التنفيذي (الوزارة) إلى الهيئات الجديدة، مع اعتماد مبدأ «لا فراغ مؤسسياً ولا انقطاع في الخدمات».
ويشمل ذلك نقل السجلات والملفات المتعلقة بالصحفيين إلى المجلس الأعلى للإعلام، وإنشاء سجل مهني موحد للصحفيين، وإصدار البطاقات المهنية، وتسيير وتوزيع الدعم العمومي لتنمية وسائل الاتصال وفق معايير معلنة.
كما ينتقل صندوق تنمية وسائل الاتصال إلى إدارة مستقلة، تحت إشراف المجلس الأعلى للإعلام، وتوضع لأول مرة قواعد واضحة ومعلنة للاستفادة من موارده، مع نشر نتائج التوزيع وأسماء المستفيدين وقيمة الدعم وأسس احتسابه.
وفي الوقت نفسه، تنتقل وظائف الاتصال الحكومي إلى الهيئة الحكومية المختصة، كالمكتب الإعلامي للرئاسة، بينما تتوقف الوزارة عن ممارسة أي اختصاص يتعلق بالاعتماد المهني للصحفيين أو الدعم العمومي أو التدخل في المؤسسات الصحفية الخاصة.
رابعاً: مرحلة التقييم والضمانات، وتتم بعد سنة من بدء الإصلاح
بعد مرور عام على بدء تطبيق المنظومة الجديدة، يقدم كل من المجلس الأعلى للإعلام والسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية وسلطة تنظيم الإشهار وهيئة الاتصال الحكومي تقريراً سنوياً علنياً عن أدائها، يتضمن القرارات المتخذة والموارد المالية وأوجه الإنفاق والمؤشرات المهنية.
كما يخضع النظام بأكمله لتقييم مستقل يجيب عن أسئلة أساسية من قبيل:
– هل انتهت فعلاً وصاية السلطة التنفيذية (الحكومة) على الصحافة الخاصة؟
– هل أصبح تسجيل الصحفيين ومنح بطاقاتهم خاضعاً لمعايير مهنية مستقلة؟
– هل أصبح الدعم العمومي قائماً على معايير موضوعية وشفافة؟
– هل تم فصل الدعم عن التنظيم؟
– هل أصبح الإعلان العمومي أكثر شفافية؟
– هل توقفت قدرة السلطة التنفيذية على التأثير في الخط التحريري للمؤسسات؟
– وهل أصبحت الهيئات المستقلة مستقلة فعلاً في التعيين والتمويل واتخاذ القرار؟
عدم استبدال وصاية بوصاية جديدة
وهنا ينبغي أن يكون واضحاً منذ البداية أن نقل الاختصاصات من الوزارة إلى هيئات جديدة لا يكفي إذا ظلت هذه الهيئات خاضعة للسلطة التنفيذية بالطريقة نفسها.
فالغاية ليست استبدال وصاية وزارة بوصاية هيئة أخرى، وإنما بناء منظومة تتوزع فيها السلطة وتراقب المؤسسات بعضها بعضاً، وتخضع القرارات للشفافية والمساءلة والطعن القضائي.
ولهذا ينبغي أن تتضمن القوانين الجديدة ضمانات صريحة لاستقلال الهيئات، من بينها تعددية التعيين، ومدد محددة للعضوية، والاستقلال المالي، ومنع تضارب المصالح، وعلنية القرارات والتقارير، وإمكانية الطعن أمام القضاء.
وفي نهاية عملية الإصلاح، ينبغي أن تصبح الخريطة المؤسسية واضحة، حيث تتولى السلطة التنفيذية الاتصال الحكومي فقط.
أما السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية فتتولى تنظيم القطاع السمعي البصري والتعددية والمنافسة والتراخيص الخاصة بالترددات.
اما صلاحيات المجلس الأعلى للإعلام فتتمثل في تنظيم المهنة ذاتياً، وتسجيل الصحفي المهني، وإصدار البطاقة المهنية، ومتابعة الأخلاقيات والشكاوى، وتسيير صندوق تنمية وسائل الاتصال.
ويبقى لسلطة الإشهار تنظيم سوق الإعلان والشفافية في الإعلان العمومي.
أما المؤسسات الصحفية فتضمن استقلالا تحريريا كاملا.
بينما يبقى القضاء متخصصا في الفصل في النزاعات والمخالفات القانونية.
وبذلك لا يكون إصلاح الإعلام مجرد إعادة توزيع إداري للمهام، وإنما انتقالاً من نموذج الوصاية التنفيذية إلى نموذج الحوكمة المستقلة للإعلام؛ وهو انتقال يجعل العلاقة بين الحكومة والصحافة أكثر وضوحاً حيث تتواصل الحكومة، والصحافة تراقب وتسائل، والهيئات المستقلة تنظم، والقضاء يفصل.
بقلم:احمدى مولاي إدريس
المدير الناشر لمجموعة التواصل الإعلامية
