الوحدة الوطنية ليست محل مساومة… بل شرط وجود بقلم: د. تماد إسلم أيديه

في قراءته الموازية لمقال الإعلامية جميلة بنت اخليفه، قدّم الكاتب أحمد محمد حماده طرحًا يبدو متوازنًا، من خلال دعوته إلى التمييز بين خطاب الكراهية والنقد المشروع، وتشديده على أهمية الإنصاف كركيزة لتعزيز الوحدة الوطنية. غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من وجاهة في بعض جوانبه، يفتح – من حيث لا يقصد – بابًا لتبرير انزلاقات قد تمسّ جوهر الوحدة التي يُفترض أن تبقى فوق كل اعتبار.

فالقضية في جوهرها لا تتعلق بحق النقد أو ضرورة الإصلاح، بل تتعلق بالحد الفاصل بين معالجة الاختلالات وبين المساس بأسس التماسك المجتمعي. صحيح أن الإنصاف يعزز الوحدة، وأن الشعور بالغبن قد يولد توترًا، لكن الأخطر من الغبن نفسه هو تحويله إلى خطاب عام يضرب الثقة بين مكونات المجتمع.

لقد أثبتت تجارب كثيرة أن المجتمعات لا تتفكك بسبب الفقر أو التهميش وحدهما، بل حين يتم تسييس هذه الاختلالات وتحويلها إلى صراعات هوية وانتماء. وهنا يكمن مكمن الخطر: حين يتحول النقد من أداة إصلاح إلى وسيلة لإعادة تعريف المجتمع على أسس انقسامية.

إن الإقرار بوجود مظالم أو اختلالات لا ينبغي أن يقود إلى التساهل مع خطاب يوحي بأن الوطن قائم على التمييز أو الإقصاء الممنهج. فمثل هذا التوصيف، حين يُعمم، لا يستهدف أشخاصًا بعينهم، بل يطال صورة الدولة والمجتمع ككل، ويزرع الشك في نفوس الأجيال، ويفكك الرابط الجامع الذي لا بديل عنه.

الوطن لا يُختزل في أخطاء مسؤول، ولا في فساد إدارة، ولا في خلل سياسة. هذه كلها اختلالات – مهما بلغت – تظل مرتبطة بأشخاص أو مراحل، ويمكن معالجتها عبر المحاسبة والإصلاح. أما المساس بالوحدة الوطنية، فهو استهداف للبنية العميقة للمجتمع، وتداعياته لا تقف عند حدود الاحتجاج، بل تمتد لتشمل الجميع دون استثناء.

ومن هذا المنطلق، فإن المقارنة بين “خطاب تحاملي” و”نقد مشروع” تحتاج إلى قدر أكبر من الحسم. فليس كل نقد بريئًا في أثره، حتى وإن بدا مشروعًا في مضمونه. فالكلمة، حين تتجاوز توصيف الخلل إلى تكريس سرديات الانقسام، تتحول من أداة بناء إلى معول هدم.

إن الدعوة إلى الإنصات لمشاعر التهميش تبقى دعوة مشروعة، لكنها لا تبرر بأي حال شرعنة خطاب يهدد السلم الأهلي. فالمشاعر تُعالج بالحوار الجاد والسياسات العادلة، لا بتغذية تصورات تعمم الإقصاء وتؤسس للقطيعة بين مكونات المجتمع.

كما أن استحضار المسؤولية الداخلية يجب أن يقود إلى نتيجة واضحة: الإصلاح ينبغي أن يتم داخل إطار الوحدة، لا على حسابها. والنقد، مهما كان حادًا، يجب أن يظل منضبطًا بسقف يحفظ صورة الوطن، لا أن يهدمها بدعوى كشف عيوبه.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود مظالم – فهي موجودة في كل المجتمعات – بل في كيفية التعبير عنها. فهناك فرق جوهري بين من يطالب بالعدالة داخل الوطن، ومن يقدّم الوطن ذاته ككيان ظالم. الأول يسعى إلى الإصلاح، أما الثاني فيُضعف الأساس الذي يقوم عليه أي إصلاح ممكن.

وعليه، فإن الوحدة الوطنية ليست مجرد “خط أحمر” بالمعنى الخطابي، بل هي شرط بقاء. وكل ما يمكن أن يُفهم منه المساس بها، مهما كانت مبرراته، يجب أن يُرفض بوضوح.

ختامًا، يظل النقاش حول الوحدة الوطنية ضروريًا وصحيًا، لكنه مشروط بعدم تحوله إلى غطاء لخطابات تمسّ جوهر ما يجمعنا. فالوطن يتسع للاختلاف، نعم، لكنه لا يحتمل التشكيك في أساسه.

وإذا كانت العدالة مطلبًا لا خلاف عليه، فإن الحفاظ على الوحدة هو الشرط الذي يجعل تحقيقها ممكنًا، لا نتيجةً لها. فلا عدالة في ظل الانقسام، ولا إصلاح في بيئة تتآكل فيها الثقة بين مكونات المجتمع.

فحين نختلف، ينبغي أن يكون اختلافنا داخل الوطن لا عليه، وحين نطالب بالإصلاح، يجب أن يكون هدفنا تقوية الدولة لا إضعافها.

لأن الأوطان التي تُستنزف في صراعات داخلية تفقد قدرتها على معالجة أزماتها، وتفتح الباب أمام مخاطر أكبر لا تُحمد عقباها.

الوحدة الوطنية ليست خيارًا مطروحًا، بل هي القاعدة التي تُبنى عليها جميع الخيارات.

الوحدة الوطنية بين التحصين و الإنصاف…قراءة موازية في طرح الإعلامية جميله اخليفه. بقلم: أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي

زر الذهاب إلى الأعلى