
الوحدة الوطنية بين التحصين و الإنصاف…قراءة موازية في طرح الإعلامية جميله اخليفه. بقلم: أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي
ليس الوطن، كما جاء في طرح الإعلامية جميلة اخليفه في مقالها المعنون “الوحدة الوطنية خط أحمر والوطن فوق كل الخلافات”، مجرد رقعة ترابية، بل هو انتماء حضاري وتراكم تاريخي ومنظومة متكاملة يلتقي فيها الجميع تحت سلطة الدولة. وهي فكرة تأسيسية يصعب الاختلاف حولها في بلد مثل موريتانيا، حيث يشكل التنوع أحد أبرز ملامحه، ويظل الحفاظ على وحدته شرطا لاستمرار استقراره.
وقبل المضي في هذه القراءة، لا بد من الإشادة بالطرح الذي قدمته الإعلامية جميلة اخليفه، لما يحمله من نفس وطني صادق وحرص واضح على صون وحدة المجتمع وتماسكه. وإن تناول هذا المقال من زاوية موازية لا يروم بأي حال الانتقاص من مضمونه أو مجادلة دوافعه، بقدر ما هو استئذان في الإسهام في إثراء النقاش حول قضية تتجاوز الجميع، وتستحق تعدد زوايا النظر وتكاملها خدمةً للوطن الذي نتقاسم جميعا مسؤوليته.
ينطلق المقال من موقف واضح في التحذير من خطابات التفرقة والكراهية، ويصفها بأنها سهام تُغرس في لحمة المجتمع وتوسع الهوة بين مكوناته. كما يذكر بأن الوطن ليس ملكا لمسؤول عابر، بل هو ملك للجميع، وأن الاختلاف السياسي، مهما كان حدّه، ينبغي أن يبقى ضمن إطار المسؤولية والتجرد، دون مزايدات أو إساءة لصورة البلد. وهي رسائل تحمل قدرا كبيرا من الوجاهة، خاصة في زمن تتسارع فيه وتيرة الخطاب الحاد، وتتداخل فيه الحسابات السياسية مع رهانات الهوية.
ويضيف المقال بعدا آخر حين يربط بين بعض الخطابات الناقدة للوضع الداخلي وبين السعي لتحقيق مصالح ضيقة أو كسب تعاطف خارجي، معتبرا أن من يروجون لصورة سلبية عن البلد يتجاهلون تعقيدات الواقع، بل ويتغافلون عن أن الاختلالات الاجتماعية ليست حكرا على مكون دون آخر. كما يستحضر اختلال ميزان القيم على المستوى الدولي، مستدلا بما يجري في مناطق مثل غزة والسودان واليمن، ليؤكد أن الشعارات الكبرى حول الحرية والإنسانية كثيرا ما تسقط أمام حسابات المصالح.
غير أن القراءة الموازية لهذا الطرح، مع تقاسم كثير من منطلقاته، تقتضي التمييز بين أمرين: بين خطاب يستهدف فعلا ضرب التماسك المجتمعي، وهو خطاب مرفوض، وبين تعبيرات نقدية قد تكون، في بعض الأحيان، انعكاسا لاختلالات واقعية تحتاج إلى معالجة. فالوحدة الوطنية لا تُصان فقط برفض التفرقة، بل أيضا بإرساء شعور عام بالإنصاف، وبأن الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع.
إن القول بأن التفاوتات لا ترتبط بالعرق أو اللون، كما ورد في المقال، يظل طرحا مهما، لكنه لا يغني عن ضرورة الإنصات لما قد تشعر به بعض الفئات من تهميش أو غبن، لأن إدراك الظلم، حتى وإن كان مبالغا فيه أحيانا، قد يتحول في ذاته إلى عامل توتر إن لم يُعالج بالحوار والسياسات المنصفة. وهنا تحديدا تتقاطع الحاجة إلى خطاب وطني جامع مع ضرورة بناء سياسات عمومية تعزز الثقة وتقلص الفوارق.
كما أن استحضار ازدواجية المعايير الدولية، رغم وجاهته، لا ينبغي أن يحجب عنا مسؤوليتنا الداخلية. فخلل العالم لا يبرر القبول بأي خلل محلي، بل يفترض أن يكون دافعا لبناء نموذج وطني أكثر تماسكا وعدلا، يجعل من الوحدة الوطنية حقيقة معاشة لا مجرد شعار مرفوع.
إن قوة مقال جميلة اخليفه تكمن في حرصه على حماية الثوابت والتنبيه إلى خطورة الانزلاق نحو خطاب الكراهية، وهو تقاسم مشروع وضروري. لكن استكمال هذا الجهد يمر عبر توسيع زاوية النظر، بحيث لا يُنظر إلى كل نقد بوصفه استهدافا للوطن، بل يُفصل بين ما هو تحامل وما هو تعبير عن حاجة إلى الإصلاح.
فالوطن الذي نتفق جميعا على أنه فوق الخلافات، يحتاج أيضا إلى إدارة حكيمة لهذه الخلافات، وإلى فضاء يسمح بالتعبير المسؤول دون تخوين، وإلى سياسات تعطي لكل مكون إحساسه الكامل بالانتماء. وعندها فقط تصبح الوحدة الوطنية في موريتانيا خطا أحمر بالفعل، لا لأننا نعلن ذلك، بل لأن الجميع يشعر أنه معني بحمايته والدفاع عنه.
وفي الختام، يبقى قلم الإعلامية جميلة اخليفه صوتا لافتا في الدفاع عن الثوابت الجامعة، بما يحمله من حرارة الانتماء ووضوح الموقف وجرأة الطرح. فهو قلم لا يكتب فقط ليواكب الحدث، بل ليساهم في تشكيل الوعي حوله، ويستفز في القارئ حس المسؤولية تجاه وطنه. وإن كان الاختلاف في الزوايا أمرا طبيعيا، فإن ما يجمع حول هذا القلم هو صدقه في التعبير عن غيرة وطنية تستحق التقدير، وتؤكد أن الكلمة، حين تصدر من إحساس عميق بالانتماء، تظل قادرة على الإقناع والتأثير، وعلى فتح مساحات أوسع لنقاش وطني ناضج و مسؤول.
الوحدة الوطنية خط أحمر و الوطن فوق كل الخلافات/الإعلامية جميلة اخليفه