ما بعد تقرير اللجنة-بقلم: أحمد محمد حماده كاتب و محلل سياسي
بعد انطفاء الحريقين اللذين أصابا منشآت كهربائية في نواكشوط، بقيت أسئلة تتجاوز البحث عن عطل تقني عابر: كيف وصل الخلل إلى هذه المرحلة؟ وأين كان يمكن اكتشافه أو تداركه؟ وكيف توزعت المسؤوليات بين من أعدّ الصفقة، ومن قيّم العروض، ومن صادق على الإسناد، ومن نفذ العقد، ومن تولى الاستشارة والرقابة الفنية، ثم من سمح في النهاية بوضع التجهيزات تحت الجهد؟
مع نشر لجنة التحقيق تقريرها للرأي العام، انتقل النقاش من مساحة التكهنات والانطباعات إلى مستوى أكثر وضوحاً، يستند إلى وقائع وملاحظات وتحديدات للمسؤولية توصلت إليها اللجنة. لكن أهمية التقرير، في تقديري، لا تكمن فقط في معرفة الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا الإجراء أو ذاك، وإنما في ما يكشفه المسار برمته عن طريقة إدارة صفقة ذات طبيعة فنية حساسة، وعن مدى فعالية آليات الرقابة والمطابقة والاستلام والتشغيل.
فالخطر في مثل هذه المشاريع لا يبدأ بالضرورة لحظة اشتعال النار. قد يبدأ قبل ذلك بكثير: عند اختيار المتعهد، أو اعتماد وثيقة، أو قبول مواصفة فنية، أو تجاوز تحفظ، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة قبل استكمال متطلبات التحقق والمطابقة. ومن هنا تبدو قراءة التقرير أكثر تعقيداً من اختزال القضية في مسؤول واحد أو خطأ واحد.
وبحسب ما أوردته اللجنة، تبدأ سلسلة المسؤوليات من الصفقة رقم 0868، حيث تولت اللجنة الفرعية للتحليل دراسة العروض واقترحت إسناد الصفقة إلى شركة «CTM»، رغم أن اللجنة اعتبرت أن الشركة لم تكن مستوفية لشروط التأهيل المطلوبة. ثم انتقلت الصفقة إلى لجنة صفقات الاستثمارات، التي صادقت على تقرير تقييم العروض وعلى مقترح الإسناد الذي قدمته اللجنة الفرعية للتحليل.
والتمييز بين المرحلتين مهم حتى لا تختلط المسؤوليات. فمسؤولية اللجنة الفرعية للتحليل تتصل بدراسة العروض وإعداد التقييم واقتراح الإسناد، بينما تتصل مسؤولية لجنة صفقات الاستثمارات بمراجعة ذلك المسار والمصادقة على تقرير التقييم ومقترح الإسناد. وبالتالي، فإن تحديد المسؤولية ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الدور الفعلي لكل جهة، والصلاحيات والالتزامات المرتبطة بالمرحلة التي تدخلت فيها.
بعد إسناد الصفقة، انتقلت مسؤولية التنفيذ إلى المتعهد «CTM باتيما»، الذي أصبح ملزماً بتنفيذ العقد وفق المواصفات والشروط التعاقدية. وفي هذه المرحلة، أورد التقرير عدة ملاحظات، من بينها استخدام وثيقة لم تصادق عليها الجهة المنسوبة إليها، وتغيير المصنع والمواصفات الفنية دون إثبات استيفاء اختبار النوع المطلوب للكابل المركب، وتسليم كابل غير مطابق للمواصفات التعاقدية، إضافة إلى تجاوز الأجل التعاقدي وعدم تجديد بعض التأمينات.
وهذه الملاحظات تتعلق بمرحلة تنفيذ العقد، وهي تختلف من حيث طبيعتها عن المسؤولية المرتبطة بتقييم العروض أو المصادقة على الإسناد. ولذلك فإن القراءة الدقيقة للملف تقتضي إبقاء كل مستوى من مستويات المسؤولية في إطاره، وعدم تحويل سلسلة من الملاحظات المختلفة إلى مسؤولية واحدة غير محددة.
ثم تأتي مرحلة الاستشارة والرقابة الفنية، التي تناول التقرير فيها دور مكتب «IRAF»، وسجل عليه ما اعتبره قصوراً في التقييم الأولي والتوثيق، وفي حضور رئيس البعثة وإعداد التقارير، إضافة إلى الموافقة على وضع المنشأة تحت الجهد رغم وجود تحفظات فنية.
كما تناول التقرير مسؤوليات مرتبطة بالمتابعة الفنية، مشيراً إلى اعتماد البطاقة الفنية لكابل جديد دون التأكد مسبقاً من تكافئه مع الكابل المنصوص عليه في العقد، وقبول استلام كابل لم تثبت مطابقته للمواصفات التعاقدية، والإذن بالتحميل دون التأكد من استيفاء الاحتياطات الفنية المطلوبة.
وهكذا يظهر تسلسل المسؤوليات كما عرضه التقرير: تحليل العروض واقتراح الإسناد، ثم المصادقة على التقييم والإسناد، ثم تنفيذ العقد، ثم الاستشارة والرقابة الفنية، ثم الاستلام والمتابعة الفنية والتشغيل.
وهذه السلسلة، في رأيي، هي من أهم ما ينبغي التوقف عنده. فهي تنقل السؤال من «من المسؤول عن الحريق؟» إلى سؤال أكثر دقة: في أي مرحلة كان يمكن اكتشاف الخلل أو تصحيحه أو وقف المسار قبل أن يتحول إلى حادث؟
أما من الناحية الفنية، فقد ربطت اللجنة الحريقين بالوصلات الكهربائية الجديدة، وتناولت عناصر تتعلق بالكابل ومطابقته واختباراته وإجراءات وضعه تحت الجهد. لكن من الضروري هنا عدم تجاوز ما يسمح به التقرير من استنتاجات.
فثبوت الخلل لا يعني تلقائياً ثبوت السببية.
فالخلل يعني ثبوت وجود قصور أو عدم مطابقة أو مخالفة لمتطلب فني أو تعاقدي أو إجرائي. أما السببية فتتطلب إثبات العلاقة الفنية بين هذا الخلل والحادث، أي إثبات أن الخلل كان سبباً مباشراً أو عاملاً مؤثراً في وقوع الحريق، وفق الأدلة والمعطيات الفنية المتاحة.
وبعبارة أخرى، فإن إثبات أن كابلاً لم يستوفِ اختباراً معيناً، أو أنه لم يكن مطابقاً للمواصفات التعاقدية، يثبت وجود خلل في مرحلة من مراحل المشروع، لكنه لا يكفي، بمفرده، للقول إن هذا الخلل هو الذي تسبب في الحريق. فالانتقال من إثبات المخالفة إلى إثبات المسؤولية عن النتيجة يحتاج إلى تحديد العلاقة السببية بين الاثنين.
وهذا التفريق مهم من الناحيتين الفنية والقانونية معاً. فالمسؤولية الفنية تتعلق بمدى احترام المتطلبات والمعايير الفنية، والمسؤولية التعاقدية تتصل بتنفيذ الالتزامات الواردة في العقد، والمسؤولية الإدارية ترتبط بالقرارات والإجراءات التي اتخذها المسؤولون في نطاق صلاحياتهم، بينما تبقى المسؤولية الجنائية، إذا كانت الوقائع تستوجبها، من اختصاص القضاء وبعد استكمال الإجراءات القانونية.
وتزداد أهمية هذا التفريق عند النظر إلى ما حدث بعد الحريق الأول. فقد أشار التقرير إلى غياب تدابير وقائية لفصل الوصلتين الأخيرتين بعد الحادث الأول. وهذه الملاحظة تطرح سؤالاً مهماً حول كيفية إدارة المخاطر بعد وقوع حادث في منشأة كهربائية حساسة: هل كانت التدابير المتخذة كافية لتقليل احتمال تكرار الحادث؟ وهل كان ينبغي استكمال التحقق الفني قبل إعادة التجهيزات إلى الخدمة؟
لا يعني ذلك، بالضرورة، أن هذه النقطة وحدها تفسر الحريق الثاني، وإنما يعني أن الحادث الأول كان ينبغي أن يكون مناسبة لإعادة تقييم المخاطر واتخاذ التدابير الوقائية المناسبة قبل مواصلة التشغيل.
وهنا ربما تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من الملف: في المنشآت الكهربائية الحساسة، ينبغي ألا تكون إدارة المخاطر مجرد استجابة للحادث، وإنما جزءاً من عملية اتخاذ القرار منذ مرحلة إعداد المشروع والشراء والتركيب وحتى الاستلام والتشغيل.
ومن المهم كذلك التعامل بحذر مع المسؤوليات التي حددها التقرير. فتقرير لجنة التحقيق ليس حكماً قضائياً، وما يرد فيه من مسؤوليات فنية أو إدارية أو تعاقدية لا ينبغي التعامل معه تلقائياً باعتباره إدانة جنائية. كما أن الأطراف المعنية تظل لها، في أي مسار لاحق، حقوقها في تقديم التوضيحات والدفوع أمام الجهات المختصة.
لكن هذا التحفظ القانوني لا يقلل من أهمية التقرير. فقد نقل النقاش من دائرة التكهنات إلى الوقائع والمسارات والوثائق، ووضع أمام المؤسسات والرأي العام مجموعة من الأسئلة التي يصعب تجاوزها بعد نشر نتائجه.
والسؤال الأهم الآن هو: ماذا بعد التقرير؟
فإعداد تقرير للتحقيق شيء، وتحويل نتائجه إلى إجراءات إصلاحية شيء آخر. يمكن تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات المناسبة في حق من تثبت مسؤوليته وفق المساطر المعمول بها، لكن القيمة العملية للتحقيق ستظهر في مدى قدرة المؤسسات على معالجة الأسباب التي سمحت بمرور الاختلالات من مرحلة إلى أخرى.
وإذا كان المطلوب استخلاص إجراءات عملية من هذا الملف، فإن البداية ينبغي أن تكون من إعادة ضبط مسار التأهيل والإسناد في الصفقات ذات الطبيعة الفنية الحساسة، بحيث يتم التحقق من أهلية كل متعهد بصورة موثقة قبل الانتقال إلى التقييم النهائي، مع تحديد مسؤولية كل لجنة عن القرار الذي تتخذه، وعدم الاكتفاء بالمصادقة الشكلية على أعمال لجنة سابقة.
كما ينبغي منع أي تغيير في المصنع أو المواصفات الفنية أو مكونات التجهيزات المعتمدة في العقد إلا بموافقة مكتوبة ومسبقة من الجهة المختصة، وبعد تقديم الوثائق الفنية التي تثبت التكافؤ والمطابقة، بما في ذلك نتائج اختبارات النوع المطلوبة.
ومن المهم أيضاً الفصل بوضوح بين الاستلام التعاقدي والقبول الفني والتشغيل، بحيث لا يكون تركيب التجهيزات أو انتهاء الأشغال سبباً كافياً لوضعها تحت الجهد. وينبغي أن يسبق التشغيل محضر قبول فني موثق يؤكد استيفاء شروط المطابقة والسلامة.
وفي الجانب نفسه، يمكن اعتماد ملف فني إلزامي قبل الاستلام النهائي يتضمن شهادات المطابقة، ونتائج الاختبارات، وبيانات المصنع، وسجل التعديلات التي طرأت على التجهيزات، مع التحقق من صحة الوثائق لدى الجهات المصدرة لها عند الحاجة.
أما الرقابة الفنية، فتحتاج إلى ضمان قدر أكبر من الاستقلالية. فإذا سجل المكتب الاستشاري تحفظاً يتعلق بالسلامة أو المطابقة، ينبغي ألا يُغلق ذلك التحفظ إلا بعد معالجة موثقة ومراجعة فنية، وليس بمجرد قرار إداري أو توجيه شفهي.
ومن الإجراءات العملية أيضاً إنشاء سجل مركزي للتحفظات الفنية في المشاريع الكهربائية، يوضح تاريخ تسجيل كل تحفظ، والجهة التي سجلته، والجهة المكلفة بمعالجته، والإجراء المتخذ بشأنه، وتاريخ إغلاقه. وبهذه الطريقة تصبح التحفظات جزءاً من ملف المشروع، ولا تبقى رهينة بالمراسلات أو بتغير المسؤولين.
كما ينبغي ربط صرف المستحقات النهائية للمتعهد باستكمال متطلبات المطابقة والقبول الفني، حتى لا يصبح انتهاء الأشغال أو تركيب التجهيزات بحد ذاته أساساً كافياً لإغلاق الالتزامات التعاقدية.
وفي المشاريع الكهربائية الكبرى، سيكون من المفيد كذلك إجراء مراجعة فنية مستقلة قبل وضع التجهيزات تحت الجهد، خصوصاً عندما تطرأ أثناء التنفيذ تغييرات على مكونات رئيسية مثل الكابلات والوصلات ومعدات الحماية.
أما بعد وقوع أي حادث كهربائي، فينبغي اعتماد بروتوكول واضح لإدارة الحوادث وإعادة التشغيل، يحدد من يملك صلاحية العزل والفصل، ومن يقرر إعادة التشغيل، وما الاختبارات التي يجب استكمالها قبل إعادة أي جزء من المنظومة إلى الخدمة. كما ينبغي أن يؤدي الحادث الأول إلى إعادة تقييم المخاطر في التجهيزات المماثلة أو المرتبطة به، بدلاً من التعامل معه باعتباره واقعة منفصلة.
وربما يكون الإجراء الأهم على المستوى المؤسسي هو تحديد المسؤولية الوظيفية كتابةً في كل مرحلة من مراحل المشروع: من يراجع، ومن يعتمد، ومن يستلم، ومن يأذن بالتشغيل، ومن يملك صلاحية إيقاف المسار عند ظهور خلل فني. فوضوح المسؤولية قبل وقوع الحادث أفضل كثيراً من البحث عنها بعد وقوعه.
هذه الإجراءات لا ينبغي أن تتحول إلى طبقات إضافية من البيروقراطية تعطل المشاريع، وإنما إلى آليات تحقق واضحة ومحددة زمنياً ومسؤولياً. الهدف ليس زيادة عدد التوقيعات، بل ضمان أن يكون لكل قرار فني حساس صاحب مسؤولية معروف، ووثيقة تؤيده، ومعيار يمكن الرجوع إليه.
ومن الطبيعي أن يثير نشر التقرير نقاشاً إدارياً وقانونياً وإعلامياً، وربما يحاول البعض اختزال القضية في أسماء أو مواقع أو مسؤوليات محددة. لكن تحويل الملف إلى مواجهة شخصية قد يحجب السؤال الأهم: أين كانت نقاط الرقابة؟ لماذا لم توقف التحفظات الفنية المسار في الوقت المناسب؟ وهل كانت الصلاحيات والمسؤوليات موزعة بطريقة تسمح باكتشاف الخلل في مرحلة مبكرة؟
هذه الأسئلة، في تقديري، أكثر فائدة من البحث عن طرف واحد لتحميله كامل المسؤولية، لأنها تتجه مباشرة إلى جوهر الإصلاح.
فالرهان الحقيقي بعد نشر التقرير ليس فقط على المساءلة، رغم أهميتها، وإنما على قدرة المؤسسات على استخلاص الدرس. فالمساءلة تتعلق بتحديد المسؤوليات المرتبطة بما حدث، بينما يحاول الإصلاح معالجة الأسباب والإجراءات التي يمكن أن تمنع تكراره.
وإذا انتهى الأمر إلى تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات المناسبة، فقد نكون عالجنا جانباً من الماضي. أما إذا قادت نتائج التحقيق إلى مراجعة حقيقية لمنظومة الصفقات، وتعزيز الرقابة الفنية، ورفع معايير السلامة، وتحسين آليات الاستلام والتشغيل وإدارة المخاطر، فإن القضية يمكن أن تتحول إلى فرصة لإصلاح مؤسسي يتجاوز الحريقين نفسيهما.
فالصفقات العمومية، خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية، لا ينبغي أن تُقاس فقط بمدى إنجاز المشروع في آجاله، وإنما أيضاً بسلامة مساره، ومطابقة تجهيزاته، وصرامة الرقابة عليه. كما أن الاستعجال في إنجاز المشروع لا ينبغي أن يأتي على حساب شروط السلامة أو التحفظات الفنية.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضراً بعد أن تهدأ الضجة الإعلامية ليس فقط: من أخطأ؟
بل: كيف أمكن أن تمر الاختلالات، وفق ما خلص إليه التقرير، عبر أكثر من مرحلة قبل أن تصل إلى النتيجة التي وصلت إليها؟
ثم السؤال الأهم: ما الذي سيتغير فعلاً بعد أن أصبحت هذه الاختلالات معروفة؟
فالاختبار الحقيقي لأي تحقيق لا يكون فقط في عدد المسؤوليات التي يحددها، وإنما في عدد الثغرات التي تُغلق بعده، وفي مدى قدرة المؤسسات على تحويل نتائج التحقيق إلى إجراءات وقواعد وممارسات جديدة.
وقد ينطفئ الحريق في ساعات، لكن معالجة أسبابه المؤسسية تحتاج إلى وقت وإرادة ووضوح في المسؤوليات.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لتقرير لجنة التحقيق لن تتحدد فقط بما كشفه عن الماضي، وإنما بما سيساعد على بنائه في المستقبل: مؤسسات أكثر يقظة، ورقابة أكثر صرامة، وقرارات فنية أكثر استقلالاً، وصفقات أكثر انضباطاً، ومنظومة كهربائية لا تنتظر وقوع الحادث حتى تبدأ في البحث عن مكامن الخلل.
تلك، في النهاية، هي الرسالة التي ينبغي ألا تضيع وسط الجدل حول المسؤوليات: أن يتحول تقرير اللجنة من وثيقة لتحديد ما حدث إلى نقطة انطلاق لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وسد الثغرات التي كشف عنها، حتى لا يبقى السؤال نفسه مطروحاً بعد حادث جديد.
ريم شات · Rim Chat
محادثات ومكالمات صوت وفيديو، منشورات وسوق — بالعربية أولًا. حمّله مجانًا على هاتفك.