الأخبار

الاغتصاب بين الشرع والمجتمع.. حين تكون الضحية طفلة والمتهم قاصراً أحمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي.

اغتصاب طفلة في السابعة من عمرها ليس مجرد قضية جنائية أثارت غضب الموريتانيين، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع والدولة على حماية من لا يستطيع حماية نفسه. وتزداد القضية حساسية وتعقيداً عندما يكون المتهم شاباً في السابعة عشرة، أي أنه قاصر هو الآخر.

بعيداً عن تفاصيل القضية التي ينبغي أن تبقى في إطارها القضائي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا سيكون مصير المتهم؟ وإنما أيضاً: كيف نحمي الطفلة؟ وكيف نمنع تكرار مثل هذه الجرائم؟ وكيف نتعامل مع القاصر المتهم بطريقة تراعي سنه، من دون أن تضيع حقوق الضحية أو يُستهان بخطورة ما حدث؟

في مجتمع موريتاني مسلم ومحافظ، قد يكون الحديث عن الاغتصاب، وخصوصاً عندما يتعلق الأمر بطفلة، محاطاً بالكثير من الصمت والخوف. فالأسرة تخشى كلام الناس، والضحية قد تخشى الوصمة، وأحياناً يصبح الحفاظ على السمعة أولوية تتقدم حتى على التبليغ عن الجريمة.

وهنا ينبغي أن نبدأ بتصحيح فكرة أساسية: الطفلة ليست مسؤولة عما وقع لها، ولا تحمل أي عار بسبب الجريمة التي ارتكبت بحقها.

هذه ليست مجرد عبارة للتعاطف، وإنما حقيقة شرعية وأخلاقية يجب أن تترسخ في وعينا. فالقرآن يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. ومن الظلم أن تتحمل الضحية آثار فعل لم تختره ولم تكن قادرة على دفعه.

كما يجب أن نتوقف عن الخلط بين الاغتصاب والزنا. فالاغتصاب اعتداء وإكراه وانتهاك لإرادة الإنسان، وليس علاقة رضائية بين طرفين. وبالتالي لا يمكن شرعاً وضع الضحية في موقع المسؤول عن الفعل.

والأمر يصبح أكثر وضوحاً عندما نتحدث عن طفلة في السابعة من عمرها. فلا يمكن أن تتحول براءتها إلى موضوع للشك أو اللوم أو السؤال عن مسؤوليتها فيما وقع عليها.

لقد جاءت الشريعة لحفظ النفس والعرض والنسل، ونهت عن العدوان والظلم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

لكن حماية الطفل لا تعني فقط تحريم الاعتداء بعد وقوعه، وإنما تقتضي أيضاً بناء وسائل تمنع وقوعه.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية.

من الحلول التي يمكن أن تكون قابلة للتطبيق إنشاء آلية وطنية واضحة للتبليغ عن الاعتداءات التي تستهدف الأطفال، تكون سهلة الوصول وسرية، بحيث تستطيع الأسرة الاتصال بها دون الحاجة إلى معرفة الإجراءات القانونية المعقدة. ويمكن أن تكون هذه الآلية مرتبطة بالشرطة والنيابة ومصالح حماية الطفولة، حتى لا تضيع الشكوى بين أكثر من جهة.

كما يمكن للمؤسسات التعليمية أن تعتمد برنامجاً مبسطاً للتوعية بحماية الطفل، يتناسب مع عمر التلاميذ وثقافة المجتمع. ليس المطلوب تقديم مواد صادمة أو غير مناسبة للأطفال، وإنما تعليمهم مفاهيم أساسية مثل احترام الحدود الشخصية، والتمييز بين السلوك الآمن وغير الآمن، وإخبار شخص بالغ موثوق عند الشعور بالخوف أو التعرض للأذى.

وهذا النوع من التوعية لا يتعارض مع المحافظة الاجتماعية، بل يمكن تقديمه بلغة تربوية ودينية تحفظ خصوصية المجتمع.

أما الأسر، فيمكن أن تستفيد من حملات توعية قصيرة عبر المدارس والمساجد ووسائل الإعلام، تشرح للآباء والأمهات كيف يتصرفون إذا أخبرهم طفل بأنه تعرض للأذى، وأهمية الاستماع إليه وعدم تخويفه أو لومه، والتوجه بسرعة إلى الجهات المختصة.

فالطفل الذي يجد أن أول رد فعل من أسرته هو الصراخ أو اللوم قد يتراجع عن الكلام، بينما الاستماع الهادئ يمكن أن يكون الخطوة الأولى نحو حمايته.

ومن الضروري أيضاً أن تتوفر في المستشفيات والمراكز الصحية آلية واضحة للتعامل مع الأطفال ضحايا الاعتداءات، مع مراعاة الخصوصية والجانب النفسي، بحيث لا يضطر الطفل إلى تكرار قصته أمام عدد كبير من الأشخاص أو التنقل بين جهات متعددة.

كما يمكن إنشاء فرق متخصصة تضم طبيباً وأخصائياً نفسياً وباحثاً اجتماعياً وعضواً من الجهات المختصة بالتحقيق، بحيث يتم التعامل مع الطفل بطريقة تقلل من الضرر النفسي الناتج عن تكرار الاستجواب.

وهنا لا بد من الحديث عن الإعلام.

في مثل هذه القضايا، يجب أن تكون هناك قاعدة واضحة: لا اسم للطفل، ولا صورة، ولا معلومات تسمح بالتعرف عليه، ولا تفاصيل غير ضرورية عن الواقعة.

ليس كل ما يعرفه الصحفي يجب أن ينشره. وبعض المعلومات التي تزيد عدد المشاهدات قد تترك أثراً دائماً في حياة طفل لم يختر أن يكون موضوعاً للأخبار.

والستر هنا لا ينبغي أن يستخدم لإخفاء الجريمة أو حماية المعتدي، كما لا ينبغي أن يتحول كشف الجريمة إلى تشهير بالضحية. المطلوب هو حماية الإنسان، وإيصال القضية إلى الجهات التي تملك صلاحية التحقيق والمحاسبة.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بالمتهم الذي يبلغ سبعة عشر عاماً.

هنا ينبغي أن نبتعد عن الأحكام الجاهزة. فالشريعة راعت السن والأهلية في المسؤولية، وجاء في الحديث الشريف: «رُفع القلم عن ثلاثة»، ومنهم الصبي حتى يبلغ.

لكن مراعاة سن المتهم لا تعني التقليل من خطورة ما نُسب إليه إذا ثبتت الواقعة. وفي الوقت نفسه، لا يصح التعامل مع القاصر بالطريقة نفسها التي يُعامل بها البالغ من دون مراعاة الأحكام الخاصة بالأحداث.

ولهذا يمكن أن تكون هناك حاجة إلى تعزيز برامج تقويم الأحداث وتأهيلهم، بحيث لا يقتصر التعامل مع القاصر على الإيداع والعقوبة، وإنما يشمل التقييم النفسي والاجتماعي والتربوي، ومعرفة العوامل التي أدت إلى السلوك الإجرامي، ووضع برنامج إصلاحي مناسب.

فإذا كان المجتمع يريد منع تكرار الجريمة، فمن المهم ألا يسأل فقط: كيف نعاقب؟ بل أيضاً: كيف نمنع هذا القاصر من أن يتحول مستقبلاً إلى خطر أكبر على نفسه وعلى الآخرين؟

وفي الوقت نفسه، يجب ألا يؤثر الاهتمام بإصلاح المتهم على الرعاية المقدمة للطفلة. ينبغي أن تحصل الضحية على متابعة نفسية واجتماعية مستمرة، لا أن ينتهي الاهتمام بها بمجرد انتهاء الإجراءات القضائية.

ومن الحلول العملية أيضاً إنشاء سجل مؤسسي لحالات الاعتداء على الأطفال، يحافظ على سرية هوية الضحايا، ويتيح للجهات المختصة معرفة حجم الظاهرة ومناطق تكرارها وأنماطها، حتى تصبح الوقاية مبنية على معلومات حقيقية لا على الانطباعات.

كما أن تدريب الشرطة والقضاة والعاملين الصحيين والاجتماعيين على التعامل مع الأطفال ضحايا الاعتداءات يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً. فالطفل يحتاج إلى طريقة مختلفة في الاستماع إليه وحمايته، وليس إلى إجراءات مصممة أساساً للبالغين.

أما دور العلماء والأئمة، فيمكن أن يكون عملياً أيضاً. بدلاً من الاقتصار على الحديث العام عن تحريم الزنا، ينبغي توضيح الفرق بين الزنا والاغتصاب، والتأكيد أن الضحية لا ذنب لها، وتشجيع الأسر على التبليغ، وبيان أن حماية الطفل من الظلم مسؤولية شرعية.

وهذا مهم بشكل خاص في مجتمع مثل موريتانيا، حيث ما زال للخطاب الديني تأثير كبير في تشكيل المواقف الاجتماعية.

ثم هناك مسؤولية الأسرة نفسها. لا يمكن للدولة أن تكون حاضرة في كل منزل وفي كل لحظة. لذلك فإن حماية الأطفال تبدأ أيضاً من معرفة من يختلط بهم الطفل، ومراقبة التغيرات المفاجئة في سلوكه، وتعليمه أن هناك أشخاصاً بالغين يمكنه اللجوء إليهم

إعلان
ميناء نواكشوط المستقل — ميناء الصداقة، بوابة موريتانيا إلى العالم

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI