الأخبار

الكتابة بين الحرية والمسؤولية: هل يحق للكاتب أن يقول كل شيء؟ بقلم: أحمد محمد حمادة – كاتب ومحلل .

ليس من السهل أن نجيب عن سؤال حرية الكتابة بجملة واحدة. فالكاتب، في لحظة الكتابة، لا يحمل قلمًا فقط، بل يحمل تجربته وغضبه وذاكرته ومخاوفه، وأحيانًا أشياء كثيرة لم يجد مكانًا آخر ليقولها. وربما لهذا السبب تبدو الكتابة، في جوهرها، فعلًا من أفعال الحرية؛ نكتب لأن الصمت لا يكفي دائمًا، ولأن بعض الأسئلة تظل تطرق داخلنا حتى تجد طريقها إلى الورق.

لكن ماذا يحدث عندما تخرج الكلمات من صاحبها؟ هنا تبدأ الحكاية الأخرى. فالكلمة التي كانت قبل لحظات فكرة خاصة تصبح، بمجرد نشرها، جزءًا من عالم الآخرين. يقرأها شخص فيرى فيها سؤالًا مشروعًا، ويقرأها آخر فيجدها استفزازًا، وقد يراها ثالث مساسًا بشيء يعتبره جزءًا من تاريخه أو كرامته أو هويته. وهذا ما يجعل سؤال حرية الكاتب أكثر تعقيدًا مما يبدو لأول وهلة.

هل يكتب الكاتب كل ما يشعر به؟ ربما. لكن هل يستطيع أن يتصرف كما لو أن ما يكتبه لن يترك أثرًا في أحد؟ على الأرجح لا. ففي اللحظة التي يختار فيها النشر، تغادر الفكرة عالمه الخاص لتدخل فضاءً مشتركًا، حيث تتقاطع مع تجارب الآخرين وذكرياتهم وقناعاتهم. ومن هنا تبدأ العلاقة الدقيقة بين حرية الكاتب ومسؤوليته، لا بوصفهما نقيضين، بل باعتبارهما وجهين لعمل واحد.

وفي موريتانيا، يأخذ هذا السؤال طابعًا خاصًا. فنحن نعيش في مجتمع قريب من نفسه، حتى عندما يبدو مختلفًا في لغاته وثقافاته وانتماءاته. والموضوع الذي يبدأ مقالًا في موقع أو تدوينة على فيسبوك قد يصبح في المساء حديثًا في مجلس أو نقاشًا عائليًا أو مادة لتبادل الآراء والاتهامات على المنصات الرقمية. ولهذا فإن الكتابة هنا لا تعيش دائمًا في عزلة، بل تدخل بسرعة إلى حياة الناس وذاكرتهم اليومية.

وكلما اقترب الكاتب من قضايا الهوية أو الدين أو القبيلة أو السياسة أو الذاكرة الوطنية، أصبح يدرك أن الكلمات لا تصل إلى صفحة بيضاء، بل إلى ذاكرة حية. خذ، مثلًا، الحديث عن العبودية ومخلفاتها في المجتمع الموريتاني. من السهل أن يقال إن هذه قضية حساسة يجب تجنبها، لكن الصمت لا يعالج شيئًا. فالقضايا التي لا نناقشها لا تختفي، بل تستمر في العيش تحت السطح وتظهر في تجارب الناس ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى المجتمع.

الكاتب الذي يكتب عن هذه القضية لا ينبغي أن يُتهم تلقائيًا بأنه يريد تقسيم المجتمع. فقد تكون الكتابة الصادقة محاولة لفهم جرح لا يمكن أن يلتئم إذا ظل الجميع يتظاهر بأنه غير موجود. لكن ليست كل كتابة عن الجرح محاولة لعلاجه؛ فبعض الكلمات قد تحفر فيه أكثر. وحين تتحول قضية إنسانية إلى اتهام جماعي، أو يُختزل الناس في أصولهم وماضيهم، تصبح الكتابة جزءًا من المشكلة التي تزعم أنها تحاربها.

وينطبق الأمر نفسه على ذاكرة أحداث أواخر الثمانينيات وما ارتبط بها من أزمة 1989 وما تلاها من تهجير وانتهاكات وقطيعة مؤلمة في حياة كثير من الموريتانيين. من حق الكاتب أن يكتب عن تلك المرحلة، وأن يطالب بالحقيقة، وأن يناقش العدالة والمصالحة، وأن يرفض الروايات الجاهزة عنها. فالحديث عن الماضي لا ينبغي أن يكون ممنوعًا، لأن التاريخ الذي يُدفن بالصمت لا يختفي بالضرورة من ذاكرة من عاشوه أو من ذاكرة أبنائهم.

لكن ما يحدد قيمة الكتابة ليس مجرد قرار الكلام أو الصمت، بل ما الذي نفعله عندما نتكلم. هل نكتب من أجل أن نفهم، أم من أجل إعادة توزيع الاتهامات؟ وهل نبحث عن الحقيقة، أم عن رواية تمنحنا شعورًا بأننا الطرف الذي يمتلك الحق الكامل؟ التاريخ لا يصبح أقل قسوة عندما نمنع الحديث عنه، لكنه أيضًا لا يصبح أكثر عدلًا عندما نحوله إلى وسيلة لتعليم الأجيال الجديدة كيف تكره بعضها بعضًا.

وتظهر الإشكالية نفسها عندما نصل إلى اللغة والهوية. ففي موريتانيا، لا نتحدث عن اللغة باعتبارها مجرد وسيلة للكلام، بل باعتبارها حاملة للتاريخ والذاكرة والانتماء. ولهذا يمكن أن يتحول نقاش بسيط حول التعليم أو الإدارة إلى نقاش أوسع حول من نحن، ومن يشعر بأنه ممثل داخل الدولة، ومن يرى أن لغته وثقافته لا تحظيان بالمكانة التي يستحقانها.

من حق الكاتب أن يدافع عن العربية، كما من حقه أن يطالب بمكانة أوسع للغات الوطنية. ومن حقه أن ينتقد سياسة تعليمية أو ثقافية وأن يقترح بدائل مختلفة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدفاع عن لغة إلى خوف من لغة أخرى، أو عندما يُقدم التنوع بوصفه تهديدًا للوحدة الوطنية. هنا لا نكون أمام دفاع عن الثقافة بقدر ما نكون أمام خوف من الآخر.

والقبيلة بدورها مثال قريب من هذا التعقيد. فنحن نعرف أنها حاضرة بدرجات مختلفة في الحياة الاجتماعية والسياسية، ونلمس حضورها أحيانًا في الانتخابات وشبكات التضامن وفي الالتفاف حول بعض الشخصيات. فهل يجب على الكاتب أن يتجاهل هذه الظاهرة؟ بالتأكيد لا، لأن السكوت عن ظاهرة موجودة لا يجعلها تختفي، ولا يحول دون استمرار تأثيرها في بعض جوانب الحياة العامة.

لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقد الكاتب القبلية بلغة قبلية. أن تكتب عن تأثير الولاءات الضيقة في السياسة أمر مشروع، لكن أن تحول قبيلة كاملة إلى صورة جاهزة للفساد أو الانتهازية أو السيطرة، فهذا ليس تحليلًا. إنه تعميم يظلم أفرادًا كثيرين باسم محاربة ظاهرة اجتماعية. وربما هنا تظهر إحدى علامات الكاتب الناضج: أن يستطيع أن ينتقد الظاهرة من دون أن يحتقر الناس أو يحاكمهم بسبب انتماء لم يختاروه.

وفي السياسة، لا تقل المسألة تعقيدًا. فمن حق الكاتب أن ينتقد رئيس الجمهورية والحكومة والمعارضة وأي مسؤول عمومي، لأن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى منطقة مقدسة. أن تقول إن مشروعًا حكوميًا لم ينجح، أو إن وزيرًا أخفق في إدارة ملف معين، أو إن بلدية لم تقدم الخدمات التي يحتاجها سكانها، هو جزء طبيعي من النقاش العام ومن حق المواطنين في المساءلة.

لكننا نعرف كيف يمكن للنقاش السياسي، خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أن ينزلق بسرعة من نقد قرار إلى مهاجمة شخص، ومن مهاجمة شخص إلى مهاجمة عائلته أو قبيلته أو منطقته. وهنا تضيع الفكرة الأساسية. فالكاتب الذي يمتلك حجة قوية لا يحتاج إلى السخرية من أصل خصمه، وأقوى نقد ليس ذلك الذي يجرح أكثر، بل الذي يجعل الطرف الآخر عاجزًا عن تجاهل السؤال الذي يطرحه.

ثم نصل إلى الدين، وهنا تصبح الكلمات أكثر ثقلًا. فموريتانيا مجتمع متدين، والدين ليس مجرد شأن فردي في حياة الناس، بل جزء من وجدانهم وتاريخهم وطريقتهم في فهم العالم. ولذلك فإن الكاتب الذي يقترب من القضايا الدينية يعرف أنه يدخل مساحة شديدة الحساسية، حيث يمكن لجملة واحدة أن تُقرأ بطريقة تختلف كثيرًا عن نية صاحبها.

لكن هل تعني هذه الحساسية أن نصمت؟ لا. فالدين نفسه كان عبر التاريخ مجالًا للعلم والاجتهاد والتفسير والسؤال. ومن حق الكاتب والباحث أن يقرأ ويناقش .

إعلان
ميناء نواكشوط المستقل — ميناء الصداقة، بوابة موريتانيا إلى العالم

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI