الأخبار

السيدة الأولى الموريتانية: صوت المرأة في مراكز القرار بقلم : احمد محمد حماده.

في زمن أصبحت فيه المناصب الرمزية مجرد صور عابرة، يشد انتباهك في موريتانيا حضورٌ مختلف تماماً؛ حضور السيدة الأولى الدكتورة مريم منت محمد فاضل ولد الداه، الذي لم يعد مجرد وميض بروتوكولي في المناسبات الرسمية، بل تحول إلى حالة إنسانية ملموسة، وإلى خطاب سياسي ناعم لكنه مؤثر، يضرب في عمق القضايا التي تمس المواطن البسيط قبل صناع القرار، ويجعل من موقعها منصةً للدفاع عن قضايا المرأة في أعلى مراكز القرار.

ما لفت انتباهي حقاً في مسار السيدة الأولى أنها لم ترضَ بأن تكون مجرد موزعة للهدايا أو راعية لحفلات خيرية عابرة. في زيارتها الأخيرة لمدينة كيفّة، لاحظت أن الطرح تجاوز بكثير فكرة “الإغاثة المؤقتة”. كان الحديث عن تمكين، عن مشاريع مدرة للدخل، عن استراتيجيات تنموية تضع الأسرة الموريتانية في قلب الاهتمام. ليست مجرد كلمات، بل مبادرات ملموسة مولتها وأشرفت عليها بنفسها، وكأنها تريد القول إن الكرامة الإنسانية تصنعها فرص العمل، لا انتظار العون، وأن صوت المرأة لا يقتصر على المطالبة بالحقوق، بل يمتد إلى المشاركة الفعلية في بناء الاقتصاد الوطني.

قد يدهش البعض حين أقول إن السيدة الأولى فرضت حضورها السياسي دون أن تطلب منصباً أو تتولى حقيبة وزارية. في مؤتمر بكين، وقفت لتعلن أرقاماً لا تحتمل الجدل: 52% من السكان نساء، وخمس مقاعد الحكومة من نصيبهن، وأكثر من ثلث المقاعد المحلية. لكنها لم تكتفِ بالإحصاء، بل أطلقت مبادرة وطنية للتمكين السياسي عشية الانتخابات، وكأنها تزرع وعياً انتخابياً في المجتمع، وتقول للنساء: “المكان ليس محجوزاً، بل هو حق عليكن انتزاعه”. وعندما ترأست المصادقة على خطة عمل “المرأة في التعدين في أفريقيا”، شعرت أنها لا تتحدث عن قطاع اقتصادي فقط، بل عن عدالة توزيع الثروة، وعن اعتراف بأن المرأة ليست هامشاً في المعادلة التنموية، بل شريكاً أساسياً. قولها إن 30% من الوزراء في موريتانيا نساء لم يكن تفاخراً، بل كان رسالة ضمنية: “الإرادة السياسية موجودة، فهل تستعدون لاستلام الراية؟”. وهنا يتجلى جوهر عنوان هذا المقال، فصوت المرأة في مراكز القرار لم يعد مجرد شعار، بل أصبح واقعاً تترجمه أرقام ومبادرات، وسيدة أولى جعلت من مكانتها الرمزية منبراً لهذا الصوت.

ولعلّ ما يمنح هذا الحضور السياسي عمقاً استثنائياً، ويضعه في خانة المقارنة التاريخية، هو أن موريتانيا لم تشهد منذ أيام السيدة مريم داداه، زوجة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، حضوراً نسائياً بهذه القوة والاستمرارية في المشهد العام. ففي تلك المرحلة التأسيسية، كانت مريم داداه، الفرنسية التي اعتنقت الإسلام وأحبّت موريتانيا، شريكة فعلية في صنع الدولة؛ ترافق الرئيس في جولاته، وتدير ملفات التعليم والشباب، وتنخرط في قضايا المرأة بجرأة لافتة، بل وتُعدّ أحد أبرز شهود عصر التأسيس. لكنّ الفارق الجوهري بين الرؤيتين يظلّ واضحاً: فبينما كانت مريم داداه تعمل في كنف نظام الحزب الواحد وضمن مقاربات تأسيسية صرفة، جاء دور السيدة الأولى الحالية ليواكب مرحلة أكثر انفتاحاً، حيث صار الحديث عن التمكين السياسي والاقتصادي للمرأة، وعن قضايا الإعاقة والطفولة، بلغة المؤسسات والاستراتيجيات الوطنية والقارية. إنها استمرارية الدور، لكن برؤية مختلفة تعكس تحوّل الدولة والمجتمع معاً، وتعكس أيضاً تطور صوت المرأة من مجرد حضور رمزي إلى حضور مؤثر في صناعة القرار.

لكن أكثر ما أثر فيَّ هو توقفها الطويل عند قضايا الطفولة. ليس كمن يؤدي واجباً، بل كمن يستمع لوجع حقيقي. أشرفت على خطة تطوير التعليم ما قبل المدرسي التي أدخلت أكثر من 50 ألف طفل إلى الفصول الأولى، لكنها لم تنسَ الأطفال الأكثر هشاشة؛ أولئك المصابين بالتوحد، الذين كانوا لسنوات بعيداً عن الأضواء. فتحت أول مركز متخصص لهم في البلاد، وجلست مع أمهاتهن تستمع، لا تلقي خطاباً. في تلك اللحظة، شعرت أن السياسة يمكن أن تكون رحيمة، وأن القيادة يمكن أن تكون حاضنة، وأن صوت المرأة عندما يصل إلى مراكز القرار لا يخدم مصالحها فقط، بل يمتد ليشمل الأكثر ضعفاً في المجتمع.

أرى في مسار السيدة الأولى شيئاً نادراً في السياقات الرسمية؛ إنه التوازن بين الفعل والظل. هي حاضرة بقوة، لكنها لا تصنع ضجيجاً، ولا تستثمر مكانتها في بناء نفوذ شخصي. وكما قرأت في أحد التحليلات، ابتعدت عن “استثمار المكانة الرمزية” لصالح القضايا الإنسانية التي لا تحتاج إلى دعاية. وهذا، برأيي، هو جوهر الفعل السياسي النبيل: أن تكون مؤثراً دون أن تكون متسلطاً، وأن تكون قريباً دون أن تفقد هيبتك، وأن تجعل من صوت المرأة في مراكز القرار أداة للتغيير لا وسيلة للسلطة.

في النهاية، لا أدعي أن السيدة الأولى حلت كل مشاكل موريتانيا، ولا أراها فوق النقد. لكني أستطيع أن أشهد أنها أعادت تعريف دور “السيدة الأولى” في ذهن الجمهور، من صورة بروتوكولية جامدة إلى كيان حي يتفاعل مع هموم الناس، ومن رمز للتبعية البروتوكولية إلى صوت للمرأة في مراكز القرار. تظل التحديات كبيرة، والطريق طويلاً نحو تمكين حقيقي ومستدام، لكن الأكيد أن خطاها ستترك أثراً في الذاكرة الوطنية، ليس لأنها الأولى، بل لأنها اختارت أن تكون مختلفة، وأن تجعل من صوتها جسراً بين المرأة الموريتانية ومراكز القرار.

 

 

إعلان
ميناء نواكشوط المستقل — ميناء الصداقة، بوابة موريتانيا إلى العالم

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI