الأخبار

تقرير المفتشية العامة للدولة: ماذا تقول لنا الأرقام، وماذا تُخفي عنا

هناك طريقة سهلة لقراءة تقرير كتقرير المفتشية العامة للدولة: نمرّ سريعاً على الأرقام، نتوقف عند الرقم الأكبر، نُبدي دهشتنا أو غضبنا، ثم نطوي الصفحة. وهناك طريقة أخرى، أكثر إرهاقاً لكنها أكثر إنصافاً: أن نجلس مع هذه الأرقام قليلاً، ونسأل كل رقم منها: ماذا كنتَ قبل أن تتحول إلى رقم؟

لأن خلف كل مبلغ مذكور في التقرير مؤسسة كان يُفترض أن تعمل بشكل مختلف. وخلف كل مخالفة، اسم موظف أو مسؤول اتخذ قراراً، أو تغاضى عن إجراء، أو وقّع على ورقة لم يكن ينبغي أن يوقّعها. وخلف كل توصية، سؤال معلّق في الهواء: هل سنُصلح هذا حقاً، أم سنكتفي بتوثيقه؟

هذا هو السبب الذي يجعلني أعتقد أن التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة برسم سنتي 2024 و2025 يستحق وقتاً أطول من مجرد قراءة العناوين. يستحق أن نقرأه بهدوء، بعيداً عن ميلين متطرفين لا يخدمان الحقيقة: التهويل الذي يحوّل كل مخالفة إلى فضيحة، والتبرير الذي يحوّل كل خطأ إلى “أمر عادي في أي إدارة”. فالتقرير لا يقول إن الإدارة الموريتانية غارقة في الفساد، لكنه أيضاً لا يمنحنا الحق في التعامل مع ما كشفه وكأنه مجرد زلات عابرة لا تستحق التوقف. هو، في تقديري، صورة أمينة لإدارة تسير في الاتجاه الصحيح في بعض المواضع، وتترنح في مواضع أخرى.

رقم يريح، وسؤال لا يستريح

أول ما يشد انتباه القارئ هو أن المفتشية حددت أثراً مالياً للاختلالات بلغ 2.375.239.189 أوقية، من أصل أكثر من 32.86 مليار أوقية خضعت للتدقيق، مؤكدة أن هذا الأثر المالي المحدد تم جبره بالكامل.

وهذا، بصراحة، خبر جيد. استرجاع المال العام ليس تفصيلاً؛ إنه جوهر أي عملية رقابية جادة، وهو ما يمنح دافع الضرائب سبباً وجيهاً ليثق قليلاً بأن هناك من يراقب. لكنني لا أستطيع أن أتوقف عند هذا الشعور بالارتياح، لأن سؤالاً أهمّ يظل معلقاً: لماذا حدث الخلل من الأساس؟

فحين تدفع جهة عمومية مالاً مقابل أشغال لم تُنجز، أو مقابل أعمال لا تطابق ما اتُّفق عليه، فإن استرداد ذلك المال خطوة ضرورية، لكنها ليست نهاية القصة. يبقى السؤال معلقاً: أين كانت أعين الرقابة وقتها؟ من كان يتابع سير الأشغال يوماً بيوم؟ من وقّع على استلامها وهو يعلم، أو كان ينبغي أن يعلم، أنها غير مكتملة؟ وكيف تمكنت هذه المخالفة من اجتياز كل هذه المحطات، واحدة تلو الأخرى، قبل أن تلتقطها عين المفتشية أخيراً؟

هذه الأسئلة، لا الأرقام وحدها، هي ما يمنح التقرير قيمته الحقيقية. لأنها تنقلنا من الحديث عن “كم استرجعنا؟” إلى الحديث عن “كيف نُدار أموالنا العامة أصلاً؟”.

حين تتكرر الحكاية نفسها بأسماء مختلفة

وتزداد الصورة وضوحاً حين نقرأ قائمة الاختلالات التي رصدتها المفتشية: مبالغ صُرفت مقابل أشغال جزئية غير منفذة أو غير مطابقة، غرامات تأخير لم تُحصَّل، زيادات في الفوترة، مستحقات للدولة بقيت في أدراج المدينين، ضرائب لم تُقتطع، نفقات بلا مقابل حقيقي، نفقات تفتقر إلى الوثائق الكافية، وامتيازات مُنحت لموظفين لم يستحقوها.

قد تبدو كل حالة من هذه الحالات، منفردة، مجرد خطأ إداري صغير يمكن تصحيحه بجرة قلم. لكن حين تُجمع كلها في تقرير واحد، فإنها ترسم ملامح مشكلة أعمق: مشكلة في دورة التسيير العمومي بأكملها.

فالمال العام نادراً ما يضيع في لحظة فساد كبرى ومدوّية. غالباً ما تبدأ الحكاية بتساهل صغير مع إجراء روتيني، بتوقيع كان ينبغي أن يُرفض، بصفقة لم تُدار كما يجب، برقابة داخلية غفت عن دورها للحظة. ثم، مع تكرار هذه اللحظات الصغيرة، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح تصحيحه أصعب بكثير من منعه في البداية.

ولهذا، فإن أكثر ما شدّني في التقرير ليس الاختلالات ذات الأثر المالي المحدد وحدها، بل تلك التي تعذّر تحديد أثر مالي مباشر لها، لأنها الأخطر رغم صمتها الرقمي: 16 حالة قصور في الرقابة الداخلية، و12 حالة منافسة صورية، و10 حالات تفاهم مباشر غير مبرر أو تجاوز لعتبة الاختصاص، إضافة إلى حالات تتعلق بالشفافية وتجزئة النفقات ومنشآت أُنجزت ثم تُركت دون استغلال.

هذه الأرقام تهمس بشيء بسيط لكنه بالغ الأهمية: هناك أخطاء تكلّف الدولة مالاً اليوم، وهناك أخطاء أخطر لأنها تمهّد الطريق لخسارة أموال أكبر غداً.

فالرقابة الداخلية هي خط الدفاع الأول، الحارس الذي يُفترض أن يكتشف العطب قبل أن تضطر أجهزة التفتيش الخارجية للنزول إلى الميدان. وحين يصبح المفتش الخارجي هو من يكتشف، مرة بعد مرة، أخطاء كان يجب أن تلتقطها الرقابة الداخلية أولاً، فإن السؤال يتحول من “من أخطأ؟” إلى “لماذا لم يُكتشف الخطأ من الداخل؟”. وفي رأيي، لا يقلّ إصلاح هذه الرقابة الداخلية أهمية عن إصلاح أجهزة التفتيش نفسها؛ ربما يسبقه في الأولوية.

حين يمر المال العام عبر باب ضيق: الصفقات العمومية

ومن بين الملفات التي تبرز بوضوح في التقرير، ملف الطلبية العمومية، الذي وصفه التقرير بأنه المجال الأكثر عرضة للمخاطر. وهذا أمر مفهوم إذا استحضرنا حجم الأموال التي تمر عبر الصفقات العمومية، وتعدد محطاتها: من التخطيط، إلى الإبرام، إلى التنفيذ، إلى الاستلام.

والمشكلة هنا نادراً ما تكون في الصفقة كورقة. فالعقد قد يبدو محكماً على الطاولة، ثم يتفكك في الميدان إن لم تُواكبه متابعة حقيقية للأشغال والخدمات. ولهذا فإن رقمنة الصفقات، وتطبيق مدونة الطلبية العمومية بصرامة، وتشديد الرقابة أثناء التنفيذ لا الاكتفاء بمراجعتها بعد الانتهاء، ليست مجرد إجراءات تقنية جافة، بل هي، في جوهرها، معركة يومية لحماية المال العام من التآكل الصامت.

حين يكون الرقم إنساناً

أما ما ورد بشأن قطاع الحماية الاجتماعية، فيستحق وقفة مختلفة، أهدأ وأكثر تأملاً.

فهذا القطاع، بحكم طبيعته، يتعامل مع الفئات التي تحتاج الدعم أكثر من غيرها. ولذلك، حين يذكر التقرير عدم تحصيل أموال مخصصة لأنشطة مدرة للدخل، أو إيداع تمويلات لدى مؤسسة مالية واجهت صعوبات، أو صرف نفقات خارج قواعد المحاسبة العمومية، أو تنفيذ أشغال دون سند تعاقدي، لا ينبغي أن نقرأ ذلك من زاوية محاسبية باردة فقط.

فهناك، في نهاية كل برنامج اجتماعي، إنسان بعينه: أسرة تنتظر مساعدة تأخرت، شاب علّق آماله على تمويل مشروع صغير، امرأة كانت تراهن على نشاط مدرّ للدخل لتغيّر شيئاً في حياة أطفالها. حين يضيع ذلك المال أو يُساء تدبيره، فإن الخسارة ليست رقمية بحتة، بل خسارة في فرصة إنسانية كان يمكن أن تتحقق.

من هنا، تصبح حماية أموال البرامج الاجتماعية أكثر من مجرد التزام محاسبي؛ إنها، ببساطة، مسؤولية أخلاقية. وتوصية المفتشية بإنشاء نظام معلوماتي لمتابعة وتسيير المساعدات المالية تبدو، في هذا السياق، أكثر من مجرد إجراء تقني: فالرقمنة، إن أُحسن توظيفها، يمكن أن تجعل مسار كل أوقية أكثر وضوحاً، وتكشف إلى أين ذهبت، ومن استفاد منها فعلاً، وهل استُخدمت للغرض الذي رُصدت من أجله، وهل استُردت القروض والمستحقات في آجالها.

الرقم الذي يستحق أن نُطيل النظر إليه

لكن، ربما يكون الرقم الأكثر إثارة للتساؤل في التقرير كله هو 66 بالمائة: نسبة تنفيذ الإجراءات المرتبطة بالتوصيات الرقابية.

هذا يعني أن 231 إجراءً من أصل 348 نُفذت، بينما بقيت البقية معلقة خلال الفترة المعنية. وتزداد دلالة هذا الرقم حين نتفحص الفوارق بين القطاعات: 94 بالمائة نسبة تنفيذ في الزراعة، مقابل 34 بالمائة فقط في الحماية الاجتماعية.

لا أظن أن هذا التفاوت يسمح لنا بالقفز إلى استنتاج مريح مثل “قطاع نزيه وآخر فاسد”؛ سيكون ذلك تبسيطاً مخلاً لواقع أكثر تعقيداً. لكنه يسمح لنا، بل يفرض علينا، أن نسأل سؤالاً مشروعاً: لماذا تنجح بعض القطاعات في تنفيذ التوصيات أكثر من غيرها بهذا الفارق الكبير؟

هل يعود الأمر إلى قدرات المسؤولين أنفسهم؟ أم إلى وضوح التوصيات وقابليتها للتطبيق؟ أم إلى ضعف آليات المتابعة؟ أم إلى غياب أدوات إلزامية حقيقية تُحوّل التوصية من نصيحة إلى التزام؟ أم، وهذا الاحتمال الأكثر إزعاجاً، إلى ثقافة إدارية ما زالت ترى في توصيات الرقابة أمراً يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى؟

في تقديري، هذه النقطة تحديداً هي جوهر التقرير كله، وربما جوهر معضلة الرقابة في أي إدارة.

حين ينتهي التقرير، تبدأ المرحلة الأصعب

فالرقابة لا تنتهي حين يغادر المفتش المكتب ويضع تقريره على الطاولة. هناك، بالضبط، تبدأ المرحلة الأصعب. يمكن للتقرير أن يكون ممتازاً، والتوصيات دقيقة، والمخالفات موثقة بعناية، لكن كل هذا الجهد يفقد جزءاً كبيراً من قيمته إن لم تتحول تلك التوصيات إلى قرارات فعلية، ومساءلة حقيقية، وإصلاح ملموس في طريقة العمل اليومية.

ولهذا أتفق مع الخلاصة التي انتهى إليها التقرير: أن فعالية الرقابة لا تُقاس بعدد المهام المنجزة أو صفحات التقارير، بل بمدى ما تحوّل فعلاً إلى تصحيح على أرض الواقع.

بل أذهب خطوة أبعد: أفضل تقرير رقابي ليس بالضرورة أكثرها ضخامة في الأرقام، بل ذلك الذي يجعل التقرير الذي يليه في العام المقبل أقل حاجة لاكتشاف الأخطاء نفسها من جديد.

من هنا تنبع أهمية الإصلاحات القانونية والمؤسسية التي أشار إليها التقرير: القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، والتصريح بالممتلكات والمصالح، والسلطة الوطنية لمكافحة الفساد، إلى جانب رقمنة الصفقات والسجل العقاري، وإعداد خرائط لمخاطر الفساد، وتطوير منصة لمتابعة توصيات هيئات الرقابة.

لكن هذه الخطوات، مهما كانت مهمة، لن تكفي وحدها إن بقيت حبيسة النصوص والمنصات والوثائق الرسمية. الإصلاح الحقيقي يبدأ من مكان أعمق: من اللحظة التي يشعر فيها الموظف والمسؤول، كل في موقعه، أن احترام القانون ليس خياراً بين خيارات، وأن المال العام ليس مالاً بلا صاحب، وأن مخالفة الإجراء لها ثمن واضح ومحدد، وأن المساءلة لا تتوقف عند الموظف الصغير بينما يفلت صاحب القرار الكبير.

تحذير ضروري

وفي الوقت نفسه، يجب أن نحذر من إغراء آخر: تحويل تقارير الرقابة إلى أداة للاتهام الجماعي أو محاكمة النوايا. فليس كل خطأ فساداً، وليست كل مخالفة إجرائية دليلاً على سوء نية. الإدارة، بحكم طبيعتها البشرية، معرضة للخطأ في كل مكان وزمان. لكن الفارق الحقيقي بين إدارة سليمة وإدارة تتصالح مع الخلل هو قدرة الأولى على اكتشاف الخطأ، وتصحيحه، ومحاسبة من تسبب فيه، ثم اتخاذ ما يلزم لمنع تكراره.

وبالمثل، فإن تعزيز صلاحيات أجهزة الرقابة يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع احترام الضمانات القانونية والموضوعية، حتى تبقى الرقابة مؤسسة مهنية، لا أداة لتصفية الحسابات أو الانتقائية في التعامل مع الملفات.

رسالتان في تقرير واحد

في النهاية، أرى أن تقرير المفتشية العامة للدولة يحمل رسالتين متزامنتين، لا رسالة واحدة.

الرسالة الأولى مطمئنة: هناك جهاز رقابي يوسّع أدواته، ويطوّر منهجياته، ويرصد الاختلالات بدقة متزايدة، ويتابع توصياته، ويشارك في بناء منظومة وطنية لمكافحة الفساد، وقد تمكّن من جبر الأثر المالي المحدد الذي كشفته مهامه.

والرسالة الثانية أكثر إلحاحاً: ما زالت هناك اختلالات متكررة في التسيير، وضعف بنيوي في الرقابة الداخلية، ومخاطر واضحة في الطلبية العمومية، وتفاوت كبير وغير مبرر في تنفيذ التوصيات بين قطاع وآخر.

وبين هاتين الرسالتين، يجب أن يكون موقفنا متوازناً، لا متأرجحاً. لا ينبغي أن نحتفل باسترجاع الأموال وكأن المشكلة قد طُويت نهائياً، ولا أن نتعامل مع التقرير وكأنه شهادة وفاة للإدارة العمومية بأكملها.

الأجدى، في تقديري، أن نقرأه كما نقرأ مرآة: تُظهر لنا نقاط قوة تستحق أن تُثمَّن، ونقاط ضعف يجب الاعتراف بها دون خجل أو دفاع مسبق، ومساحات إصلاح لا تحتمل مزيداً من التأجيل.

فالمال الذي تسترده الدولة مهم بلا شك، لكن الأهم منه ألا تفقده مرة أخرى، بالطريقة ذاتها، في العام المقبل.

والتوصية التي تُنفذ اليوم خطوة طيبة، لكن الأهم أن تتحول الإجراءات التي كانت ضرورية بالأمس إلى جزء عادي وبديهي من طريقة العمل غداً، لا استثناءً يُحتفى به كلما تحقق.

وفي نهاية المطاف، لا أظن أن الإصلاح الإداري الحقيقي يحتاج دائماً إلى شعارات كبرى أو خطط ضخمة. أحياناً، يبدأ من شيء بسيط جداً: موظف يحترم الإجراء رغم أن أحداً لا يراقبه في تلك اللحظة، ومسؤول يتابع الملف حتى نهايته لا حتى توقيعه فقط، ومؤسسة تعرف بدقة إلى أين تذهب أموالها، ورقابة داخلية تؤدي دورها كاملاً قبل أن تضطر الرقابة الخارجية للتدخل، وتوصية لا تبقى حبيسة الورق بل تتحول إلى فعل.

عندها فقط، حين تتوفر هذه العناصر البسيطة مجتمعة، يمكننا أن نقول إننا انتقلنا فعلاً من إدارة تكتشف أخطاءها بعد وقوعها، إلى إدارة تتعلم من أخطائها وتمنع تكرارها قبل أن تتكرر.

وهذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي الذي يضعه تقرير المفتشية أمام الدولة الموريتانية: ليس اختبار الأرقام، بل اختبار الإرادة.

بقلم:احمد محمد حماده-كاتب و محلل سياسي

إعلان
ميناء نواكشوط المستقل — ميناء الصداقة، بوابة موريتانيا إلى العالم

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI