الأخبار

هل من ناظم فكري لنهج رئيس الجمهورية؟/المفتش: محمد فال ولد امحمد اطفل

ارتكز الخطاب السياسي لفخامة رئيس الجمهورية، منذ أول خرجة له، على ناظم فكري جعل منه فلسفة حكم تصلح كمرجعية أساسية للعمل السياسي والتسيير الإداري.

فالناظم الأول هو التنوع والمواطنة، حيث إن «التنوع ثراء وقوة، لكن المواطنة هي المصدر الأول للحقوق». ذلك أن الدولة لا تُبنى على اعتبارات ومعطيات ما قبل الدولة، بل على السور المقدس المحيط بالجميع، وهو المواطنة.

وفي هذا الفضاء التنويري، تتنزل مقولتا المساواة والكرامة كدعامتين رئيسيتين ترتكز عليهما العدالة الاجتماعية، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات، ثم تأتي محاربة الصور النمطية المتمثلة في التراتبيات الزائفة، والتعصب العرقي والشرائحي، والانتماء القبلي.

هل الخطاب السياسي كافٍ وحده لتحويل الموجهات العامة إلى سلوك يومي؟

إن فخامة رئيس الجمهورية، بحصافته الفكرية ورؤيته الثاقبة، ومنهجه العلمي في تحليل الظواهر، لا يجازف بتجاهل «رهان الوعي بالمراحل التاريخية»؛ لذلك ينتقل من النظرية إلى التطبيق عبر «إرساء أدوات تكريس المواطنة»، متمثلة في المشاريع الكبرى ذات الأثر الاستراتيجي، التي تسهم في بلورة وعي عام جذري يعيد صياغة العقل الجمعي، وفق ما يجعل من الدولة شعباً وأمة ومجتمعاً تنتظم فيه العلاقات البينية وفق رابطة المواطنة، وولاء الكل للكل، وخدمة الصالح العام.

فالجميع مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات والكرامة الإنسانية، بعيداً عن السرديات العقيمة المؤسسة على أسطورة أو حقيقة الجد الجامع والدم النقي.

وضمن هذا الأفق الفكري، يتنزل مشروع المدرسة الجمهورية، الذي يرتكز على فكرة أن التعليم «أداة صهر سوسيولوجية» ومجال تتعزز فيه المشتركات وتلتحم المكونات، ويحل العام والمشترك محل الجزئي والخاص.

ثم جاء ما تلا ذلك من تكريس لمبادئ دولة القانون، وتقريب الخدمات الأساسية من المواطنين، واتباع سياسات اجتماعية تجمع بين إشراك المواطنين الأقل دخلاً في خيرات وطنهم، عبر مساعدات مباشرة منتظمة أو متقطعة حسب الظروف، وبين إعداد الفرد ليكون «عنصراً منتجاً» لا مجرد «مستهلك سلبي».

وينضاف إلى ذلك أن الخطاب السياسي الرسمي، بما يتسم به من هدوء وعقلانية، قد انتقل من حالة الشخصنة إلى مرحلة بناء المؤسسات وترسيخ السلوك الملتزم بالقانون والمعايير الناظمة، عبر إرساء نظم رقمية في مختلف إدارات الدولة ومرافقها الحيوية، تعمل على تقليص هامش الفساد والممارسات المنافية لقيم المواطنة والمؤسسية والحق العام.

هل تكتفي الرؤية السياسية للرئيس بتحميل أجهزة الدولة مسؤولية الفساد؟

إن نظرة الرئيس إلى إشكالية الفساد المتجذرة عميقة وواسعة؛ فالفساد، ضمن هذه الرؤية الفكرية، ليس مجرد انحراف عن المساطر القانونية والضوابط والمعايير الفنية، تتضرر جراءه أو تذهب ضحيته مشاريع واستثمارات ومصالح عمومية، أو تتعطل بسببه حقوق بعض المواطنين، بل هو، بالإضافة إلى ذلك، تيار جارف ينبع من ثقافة المجتمع ويرتبط بتاريخه وشخصيته الحضارية.

أي أن محاربة الفساد تقتضي الوعي بحقيقة أن له حاضنة اجتماعية، ينبغي تغيير المفاهيم التي تتحكم فيها لضمان نتائج مستدامة، تتحقق بفضل تضافر جهود أجهزة الرقابة والتفتيش من جهة، والتوعية والتأطير ومحاربة المسلكيات الضارة من جهة أخرى.

هل استطاع المسؤولون تحويل النصوص والتوجيهات إلى خطة عمل؟

ذلك هو السؤال المركزي الذي يجب أن تُحاكم في ضوء الإجابة عنه المرحلة السياسية الراهنة، حصيلةً وآفاقَ عمل.

غير أنه من المؤكد أن الدولة، عبر أجهزتها المختلفة، تسعى إلى تجسيد رؤية وقرارات رئيس الجمهورية، وجعل المواطن يعيشها فعلياً في شكل طرق ومدارس ومشافٍ وموانئ ومياه وصناعات ومساعدات ودعم اجتماعي، ومنظومة تعليمية تلبي حاجة الشعب، كل الشعب، إلى التربية واكتساب المعرفة، وتوفير فرص متكافئة أمام جميع الأطفال الموريتانيين، حيثما كانوا، وحيثما كانت درجة بُعدهم عن المراكز الحضرية الكبرى.

وهنا نصبح أمام حالات فساد أو سوء تسيير أو تعدٍّ، هنا وهناك، يعاقب أصحابها حسب النظم والقوانين المعمول بها.

وبذلك نكون قد تجاوزنا المراحل التي كان فيها الفساد يظهر كتجلٍّ لإرادة سياسية عليا، إلى حالة أصبح فيها الفساد عبارة عن حالات عرضية عابرة، يضيق هامشها تدريجياً بفعل الرقمنة، وإصلاح الإدارة، ومحاكمة المسؤولين ومحاسبتهم، وباختصار، تبني نهج استراتيجي يجتث الفساد ويقتلع جذوره.

المفتش: محمد فال ولد امحمد اطفل

إعلان
ميناء نواكشوط المستقل — ميناء الصداقة، بوابة موريتانيا إلى العالم

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI