احترام الجيش مسؤولية الجميع/ احمد محمد حماده
في زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الحقيقة، لم يعد أصعب ما نواجهه هو نقص المعلومات، بل كثرتها. منشور واحد قد يخرج من هاتف شخص، وفي غضون ساعات يصبح حديث الناس، ثم يتحول إلى رواية متداولة، وبعد ذلك إلى “حقيقة” لا يسأل كثيرون عن مصدرها.
وحين يتعلق الأمر بالجيش، تصبح المسألة أكثر حساسية.
فالجيش ليس مجرد مؤسسة مثل غيرها. وراء الزي العسكري رجال، ووراء الرتب سنوات من الخدمة، ووراء كل قرار اتخذته القيادة مسؤوليات واعتبارات قد لا يعرفها المواطن العادي، وقد لا يكون من الممكن أصلًا وضعها كلها أمام الرأي العام.
لهذا، فإن الحديث عن المؤسسة العسكرية يحتاج إلى شيء من الهدوء.
ليس المطلوب أن نصمت، وليس المطلوب أن نمنح أي مسؤول حصانة من النقد. فكل مؤسسة بشرية يمكن أن تخطئ، وكل مسؤول يمكن أن يخطئ، والجيش نفسه ليس فوق القانون.
لكن المطلوب هو أن نعرف الفرق بين النقد المسؤول وبين الحكم المتسرع.
خلال الأيام الأخيرة، انتشرت معلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي بشأن إجراءات قيل إنها اتخذت بحق عدد من العسكريين. وكما يحدث كثيرًا، لم تتوقف القصة عند حدود ما قيل، بل بدأت معها التأويلات والتفسيرات، ثم ظهرت أحكام نهائية وكأن الجميع أصبح يعرف القصة كاملة.
لكن، هل نعرف فعلًا كل القصة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن نتوقف عنده.
قد نقرأ منشورًا، ونشاهد صورة، ونسمع رواية من شخص أو من حساب على مواقع التواصل، فنشعر أننا أصبحنا نملك الحقيقة. لكن المؤسسة العسكرية تعمل داخل منظومة لها تسلسل قيادي وقواعد وانضباط ومسؤوليات أمنية. وقد تكون هناك تفاصيل كثيرة لا تظهر في المنشور، ولا يمكن أصلًا نشرها.
ما نراه من الخارج ليس بالضرورة كل ما يحدث في الداخل.
وهذه ليست دعوة إلى تقديس المؤسسة أو إلى إلغاء حق المواطن في السؤال. على العكس، المؤسسة التي تحترم نفسها لا تخاف من النقد، والمسؤول الذي يتحمل مسؤولية عامة يجب أن يكون مستعدًا للمساءلة عندما تكون هناك وقائع واضحة تستوجبها.
لكن المساءلة شيء، وإصدار الأحكام بناءً على معلومات غير مكتملة شيء آخر.
والفرق بين الاثنين كبير.
قد نختلف مع قرار اتخذه مسؤول عسكري، وقد نرى أن قرارًا آخر كان سيكون أفضل. هذا حق طبيعي. لكن من غير المنصف أن ننتقل من الاختلاف مع قرار إلى التشكيك في المؤسسة كلها، أو أن نحول ملفًا داخليًا إلى معركة مفتوحة على شبكات التواصل.
فالقائد العسكري لا يرى دائمًا ما نراه نحن.
قد تكون أمامه معلومات لا نملكها، أو اعتبارات لا نعرفها، أو مسؤوليات تجعل القرار أكثر تعقيدًا مما يبدو لنا من الخارج.
وقد يكون القرار صعبًا.
وقد يكون غير محبوب.
لكن المسؤولية لا تعني دائمًا اتخاذ القرار الذي يرضي الجميع.
وهنا بالضبط تظهر أهمية الثقة.
الجيش يحتاج إلى ثقة رجاله في قيادتهم، كما يحتاج إلى ثقة المجتمع في مؤسسته العسكرية. وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُحمى بالصمت، وإنما تُبنى بالانضباط والكفاءة والمسؤولية والقدرة على معالجة الأخطاء عندما تقع.
والجيش الموريتاني، مثل أي مؤسسة وطنية، ليس مجرد مجموعة من القادة والضباط.
إنه أيضًا الجندي الذي يقف في موقع بعيد عن أسرته.
وهو الضابط الذي يقضي سنوات من عمره في مناطق قد لا يعرف عنها الناس الكثير.
وهو الرجل الذي قد تمر عليه مناسبة عائلية وهو بعيد عن أبنائه بسبب واجبه.
هذه التفاصيل الإنسانية ربما لا تظهر في الأخبار، لكنها جزء من حقيقة المؤسسة.
وعندما ننتقد الجيش أو نتحدث عن قياداته، ينبغي ألا ننسى أن وراء الرتب أشخاصًا، وأن وراء المؤسسة رجالًا اختاروا أن يتحملوا مسؤولية حماية الوطن.
لكن احترام هؤلاء الرجال لا يعني تبرير كل قرار.
وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة.
الدفاع عن المؤسسة العسكرية لا يعني أن نقول إن كل شيء فيها مثالي. ولا يعني أن نعتبر كل قرار صائبًا لمجرد أنه صدر عن مسؤول عسكري.
بل يعني أن نحافظ على الفرق بين نقد الأخطاء، إن ثبتت، وبين ضرب الثقة في المؤسسة نفسها.
فالمؤسسات الوطنية أكبر من الأشخاص الذين يتولون مسؤولياتها في لحظة معينة.
القادة يتغيرون.
الضباط يتقاعدون.
الأجيال تتعاقب.
أما المؤسسة فتبقى.
وهذا هو السبب الذي يجعل من الخطأ أن نسمح للخلافات الشخصية أو الانفعالات العابرة بأن تتحول إلى خصومة مع المؤسسة الوطنية.
موريتانيا ليست جزيرة معزولة عن محيطها.
نحن نعيش في منطقة عرفت خلال السنوات الماضية اضطرابات أمنية عميقة، وانقسامات داخلية، وصراعات أضعفت مؤسسات دول عديدة. وفي مثل هذا المحيط، يصبح الحفاظ على تماسك المؤسسات الأمنية والعسكرية مسألة تتجاوز الأشخاص والخلافات السياسية اليومية.
نحن بحاجة إلى جيش قوي، محترف، منضبط، وموحد.
لكن قوة الجيش لا تعني أن المجتمع يجب أن يتخلى عن عقله النقدي.
بل العكس.
المجتمع الواعي هو الذي يعرف متى ينتقد، وكيف ينتقد، وعلى أي أساس ينتقد.
وفي زمن “الترند”، ربما أصبح من الضروري أن نتعلم شيئًا بسيطًا جدًا: ليس كل ما ينتشر يستحق أن يُصدق، وليس كل ما نعرفه يستحق أن ننشره.
قبل أن نضغط على زر المشاركة، لماذا لا نسأل أنفسنا؟
من أين جاءت هذه المعلومة؟
هل تأكدت منها؟
هل أعرف ظروفها كاملة؟
وهل سيضيف نشرها شيئًا مفيدًا، أم أنه سيزيد فقط من مساحة الشك والجدل؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع أحيانًا ضررًا كبيرًا.
فالكلمة على الإنترنت لا تختفي بسهولة.
وقد تكتب جملة في لحظة غضب، ثم تجدها بعد أيام في صفحات أخرى، وقد أصبحت جزءًا من رواية لم تكن تقصدها أصلًا.
والأخطر أن تصحيح المعلومة الخاطئة لا ينتشر غالبًا بالسرعة نفسها التي تنتشر بها.
لذلك، فإن المسؤولية هنا مشتركة.
المؤسسة العسكرية مسؤولة عن أداء واجبها واحترام القانون والانضباط.
والقيادة مسؤولة عن قراراتها.
والمواطن مسؤول أيضًا عن الكلمة التي يكتبها.
والصحفي مسؤول عن المعلومة التي ينشرها.
والكاتب والمحلل مسؤولان عن التمييز بين التحليل والافتراض.
ومستخدم وسائل التواصل مسؤول عن الشيء الذي يقرر أن يضع تحته اسمه ويشاركه مع الآخرين.
لسنا مطالبين بأن نتفق على كل شيء.
ولسنا مطالبين بأن نحب كل قرار.
لكننا مطالبون بشيء أبسط: أن نكون عادلين.
إذا كانت هناك واقعة ثابتة، فلتناقش بالوقائع.
وإذا كان هناك خطأ، فليعالج وفق القانون والمؤسسات.
وإذا لم نكن نعرف، فلنقل ببساطة: لا نعرف.
هذه العبارة القصيرة قد تكون أحيانًا أكثر شجاعة من إصدار حكم كامل على قصة ناقصة.
فالحرية ليست أن نتحدث فقط.
الحرية أيضًا أن نتحمل مسؤولية ما نقول.
والوطنية ليست أن ندافع عن كل شخص في المؤسسة.
الوطنية هي أن نحافظ على مؤسسات بلدنا، وأن ننتقدها عندما يكون النقد ضروريًا، وأن نحميها في الوقت نفسه من الشائعات والتشهير والتجاذبات التي لا تخدم أحدًا.
إن احترام الجيش لا يعني الخوف منه.
واحترام القيادة لا يعني تقديسها.
والدفاع عن المؤسسة لا يعني إغلاق باب النقد.
إنه يعني فقط أن نضع كل شيء في مكانه الصحيح.
قد نختلف مع قائد، وقد نختلف مع قرار، وقد نطالب بتوضيح، لكن علينا أن نتذكر دائمًا أن الجيش مؤسسة وطنية لا ينبغي أن تصبح رهينة لمزاج شبكات التواصل الاجتماعي.
في النهاية، الأشخاص يذهبون.
القيادات تتغير.
الظروف تتبدل.
لكن الدولة تحتاج إلى مؤسساتها اليوم وغدًا وبعد غد.
ولهذا فإن حماية المؤسسة العسكرية من الشائعات لا تعني إسكات المجتمع، بل تعني الارتقاء بمستوى النقاش.
أن نتحقق قبل أن ننشر.
أن نفهم قبل أن نحكم.
أن ننتقد عندما نملك الحقيقة.
وأن نتريث عندما لا نملكها.
ففي القضايا العادية، قد تكون الكلمة المتسرعة مجرد خطأ.
أما عندما يتعلق الأمر بمؤسسة عسكرية، فقد تتحول الكلمة المتسرعة إلى ضرر يتجاوز صاحبها.
ولهذا، فإن احترام المؤسسة العسكرية ليس مجاملة لقائد، ولا دفاعًا عن شخص، ولا تنازلًا عن حقنا في النقد.
إنه، في جوهره، احترام للدولة، وحرص على استقرارها، ووفاء لفكرة بسيطة ينبغي ألا نختلف حولها:
قد نختلف مع الأشخاص، وقد نختلف مع القرارات، لكن مصلحة الوطن تقتضي أن تبقى مؤسساته الوطنية قوية، متماسكة، ومحترمة.
ومن هنا، فإن احترام المؤسسة العسكرية ليس خيارًا شخصيًا فحسب، بل مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع.
المصدر:الكاتب