الحوار الوطني والمجالس الجهوية: بين مقتضيات اللامركزية ومتطلبات الكفاءة المؤسسية
يشكل الحوار الوطني المرتقب محطة مفصلية في مسار الإصلاح المؤسسي الذي تنشده موريتانيا، كما يمثل فرصة سانحة لإجراء تقييم موضوعي وشامل لأداء المؤسسات والهيئات العمومية، انسجامًا مع التوجه الرامي إلى تطوير الحكامة وتعزيز كفاءة الإنفاق العام.
وتتأكد أهمية هذا التقييم في ضوء ما أكده فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، خلال زيارته الأخيرة لولاية الحوض الشرقي، حين دعا إلى تقييم أداء مختلف المؤسسات. ويستند هذا التقييم إلى معيار بسيط وواضح: ما القيمة المضافة التي تحققها كل مؤسسة للمواطن وللتنمية الوطنية مقارنةً بالموارد المالية التي تخصص لها؟
فالدولة الحديثة لا تقاس بكثرة مؤسساتها، وإنما بفاعليتها، ووضوح اختصاصاتها، وقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. ومن ثم، ينبغي أن تخضع جميع المؤسسات العمومية، بصورة دورية، لتقييم موضوعي يحدد مدى نجاحها في بلوغ الأهداف التي أنشئت من أجلها، ومدى انسجامها مع متطلبات الحكامة الرشيدة وكفاءة الإنفاق العام.
وفي هذا السياق، يبرز ملف المجالس الجهوية بوصفه أحد أهم الملفات التي تستحق نقاشًا وطنيًا هادئًا ومسؤولًا. فقد أنشئت هذه المجالس لترسيخ اللامركزية، وتقريب الخدمات من المواطنين، وإشراك الفاعلين المحليين في رسم الأولويات التنموية واتخاذ القرارات المتعلقة بها. وهي أهداف استراتيجية لا خلاف حول أهميتها، غير أن نجاح أي تجربة لا يقاس بحسن أهدافها، وإنما بما تحققه من نتائج ملموسة.
وبعد سنوات من إنشاء المجالس الجهوية، أصبح من المشروع التساؤل: هل نجحت هذه المجالس في أداء الدور التنموي الذي أنشئت من أجله؟ وهل أسهمت في تحسين الخدمات العمومية، وتسريع التنمية الجهوية، وتعزيز المشاركة المحلية في صنع القرار؟ أم أن التجربة كشفت عن اختلالات هيكلية تستوجب مراجعة عميقة؟
إن التجربة الميدانية والممارسة العملية أظهرتا تحديات حقيقية، من أبرزها محدودية الصلاحيات، والتداخل في الاختصاصات مع الإدارات المركزية والبلديات، وغياب رؤية تنموية واضحة توجه الاستثمارات وتضمن الاستخدام الأمثل للموارد. كما أن ارتفاع النفقات الإدارية والتسييرية على حساب المشاريع التنموية أسهم في الحد من قدرة عدد من الجهات على أداء الدور الذي أنشئت من أجله.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع توجه الدولة إلى اعتماد ميزانية البرامج، وهي فلسفة حديثة في إدارة المالية العامة تقوم على ربط كل اعتماد مالي بأهداف محددة، ومؤشرات أداء دقيقة، ونتائج قابلة للقياس. ووفق هذا المنهج، فإن استمرار أي مؤسسة ينبغي أن يكون مرهونًا بقدرتها على تحقيق أثر تنموي يبرر الموارد المخصصة لها.
وينطبق الأمر ذاته على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي يستحق بدوره تقييمًا علميًا يجيب عن سؤال جوهري: إلى أي مدى أسهم في دعم السياسات العمومية، وإثراء القرار الوطني، وتقديم الاستشارات التي انعكست على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية؟
ولا ينبغي أن يقتصر الإصلاح المؤسسي على مراجعة أداء المؤسسات، بل يجب أن يشمل أيضًا تطوير معايير الترشح للمناصب الانتخابية البلدية والجهوية والتشريعية، وخاصة البرلمان، الذي يضطلع بسن القوانين، ومراقبة عمل الحكومة، ومساءلة الوزراء، وإقرار الميزانية العامة. وهذه المهام تتطلب حدًا أدنى من التأهيل العلمي والخبرة العملية، بما يمكن النائب من فهم مشاريع القوانين، ومناقشتها، وممارسة دوره الرقابي بكفاءة.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: ما الذي يمكن أن ينتظره المواطن من مؤسسة تشريعية إذا كان الترشح إليها متاحًا لمن لا يمتلك المؤهلات التي تمكنه من فهم النصوص القانونية ومناقشتها؟ ولماذا لا يشكل الحوار الوطني فرصة لاعتماد معايير علمية وموضوعية للترشح، بما يعزز جودة الأداء داخل المؤسسات المنتخبة، دون أن يتعارض ذلك مع مبادئ الممارسة الديمقراطية؟
فالديمقراطية لا تعني إلغاء معايير الكفاءة، بل تستوجب إيجاد توازن بين الحق في الترشح وضمان قدرة المنتخبين على الاضطلاع بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم، سواء تعلق الأمر بالتشريع، أو الرقابة، أو إقرار الميزانيات، أو رسم السياسات التنموية.
كما أن الدعوة إلى مراجعة تجربة المجالس الجهوية، أو إعادة هيكلتها، بل وحتى مناقشة جدوى استمرارها إذا أثبت التقييم الموضوعي محدودية أثرها، لا تمثل موقفًا مناهضًا للامركزية، وإنما تعبر عن الحرص على تطويرها وجعلها أكثر كفاءة وفاعلية. فاللامركزية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق التنمية، وتقريب الخدمات، وتحسين الإدارة المحلية، وكل وسيلة ينبغي أن تظل خاضعة للتقييم والمراجعة.
لذلك، فإن الحوار الوطني مطالب بتناول هذا الملف بشجاعة ومسؤولية، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو المؤسسية الضيقة، وبالاستناد إلى الدراسات والمؤشرات والتقارير الرقابية والمالية، حتى تكون مخرجاته مبنية على الأدلة لا على الانطباعات.
إن الدولة القادرة على مراجعة مؤسساتها، وتصحيح اختلالاتها، وإعادة توجيه مواردها نحو أولوياتها الوطنية، هي الأقدر على مواجهة تحديات التنمية. ومن ثم، فإن إعادة تقييم المجالس الجهوية، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ووضع معايير موضوعية للترشح للمناصب الانتخابية، ولا سيما البرلمان، ينبغي أن تكون ضمن أولويات الحوار الوطني، بما يفضي إلى بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وإنفاق عمومي أكثر ترشيدًا، وتنمية أكثر أثرًا واستدامة.
د. الشيخ محمدو عبد الرحمن
نائب رئيس جهة كيديماغا
وعضو المكتب التنفيذي لرابطة المستشارين الجهويين الموريتانيين.