الأخبار

الغزواني ومنطق الدولة/احمد محمد حماده-كاتب و محلل سياسي

ليس من قبيل المصادفة أن يختار رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني هذا التوقيت ليطل على الرأي العام في مؤتمر صحفي مطول، يتناول فيه مختلف القضايا التي تشغل الموريتانيين، من السياسة والدستور إلى الاقتصاد والأمن والطاقة والهجرة. ففي لحظة إقليمية تتسم بقدر كبير من الاضطراب، حيث تتراجع سلطة الدولة في أكثر من بلد مجاور، وتفرض التحولات الاقتصادية العالمية أعباءً إضافية على الدول النامية، يصبح من حق المواطن أن يعرف كيف تقرأ السلطة واقع البلاد، وإلى أين تريد أن تقودها خلال السنوات المقبلة.

وإذا كان من الطبيعي أن تختلف القراءات السياسية للمؤتمر، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه لم يكن مجرد استعراض لحصيلة حكومية أو مناسبة لتكرار الشعارات، بل بدا محاولة لتقديم تصور متكامل حول طبيعة المرحلة، والتحديات التي تواجه الدولة، والخيارات التي تراهن عليها السلطة في إدارتها.

ولعل أكثر الرسائل وضوحاً كانت تلك المتعلقة بالمأمورية الثالثة. فقد حرص الرئيس على إغلاق الباب أمام جدل بدأ يفرض نفسه مبكراً في الساحة السياسية، مؤكداً أن احترام الدستور ليس موقفاً ظرفياً، وإنما قاعدة لا ينبغي إخضاعها لحسابات السياسة اليومية. وفي محيط إقليمي شهد خلال السنوات الأخيرة تعديلات دستورية متكررة وأزمات مرتبطة بالسلطة، تبدو هذه الرسالة أكثر من مجرد تصريح سياسي؛ إنها تأكيد على أن استقرار المؤسسات يظل، في نظر السلطة، شرطاً أساسياً لاستقرار الدولة نفسها.

وفي معرض تقييمه لأداء الحكومة، لم يقع الرئيس في فخ الاكتفاء بالدفاع عن الحصيلة، كما لم يذهب إلى جلد الذات. فقد اختار لغة أقرب إلى الواقعية، معترفاً بأن ما تحقق لا يزال دون مستوى تطلعات المواطنين، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى قياس الأداء بمنطق التراكم لا بمنطق النتائج الفورية. وهذه مقاربة تستحق التوقف عندها، لأن الدول لا تخرج من الاختلالات البنيوية بقرارات سريعة، بل عبر سياسات متواصلة تتطلب الوقت والموارد والاستقرار.

ذلك أن مشاكل التعليم والصحة والمياه والكهرباء ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل هي نتاج عقود من التراكمات، ومن ثم فإن الحكم على أي تجربة إصلاحية ينبغي أن ينطلق من اتجاهها العام، لا من قدرتها على معالجة جميع الملفات دفعة واحدة. وهذا لا يعفي الحكومة من المسؤولية، لكنه يضع النقاش في سياقه الحقيقي، بعيداً عن الأحكام المتعجلة.

وفي ملف الفساد، أعاد الرئيس التأكيد على فكرة محورية مفادها أن بناء دولة القانون يبدأ من احترام المؤسسات. فالفساد، مهما كانت خطورته، لا يُواجه بخطابات الغضب ولا بالأحكام المسبقة، وإنما بقضاء مستقل وهيئات رقابية فاعلة وإجراءات قانونية تضمن المحاسبة وتحفظ الحقوق في آن واحد. وقد لا يرضي هذا المسار من يبحث عن نتائج سريعة، لكنه يبقى الضمانة الوحيدة لكي لا تتحول مكافحة الفساد إلى أداة في الصراع السياسي.

أما في الشأن الأمني، فقد جاءت مواقف الرئيس منسجمة مع النهج الذي اتبعته موريتانيا خلال السنوات الماضية. فالبلاد، وهي تقع في قلب فضاء الساحل المضطرب، اختارت أن تستثمر في جاهزية مؤسساتها الأمنية، وأن تحافظ في الوقت نفسه على سياسة خارجية متوازنة، تقوم على الحوار والتعاون وحسن الجوار. وليس من المبالغة القول إن هذه المقاربة أسهمت في إبقاء موريتانيا بمنأى عن كثير من الهزات التي عصفت بدول مجاورة.

وفي السياق ذاته، جاء حديثه عن مالي ليؤكد أن العلاقات بين البلدين لا يمكن اختزالها في الظروف الأمنية الراهنة، بل تستند إلى تاريخ طويل من الجوار والمصالح المشتركة. وهي رؤية تعكس إدراكاً بأن أمن موريتانيا لا ينفصل عن استقرار محيطها، وأن الحكمة في إدارة الأزمات أكثر جدوى من الانفعال في التعامل معها.

كما حملت مقاربة الرئيس لملف الهجرة غير النظامية قدراً من التوازن بين مقتضيات السيادة والاعتبارات الإنسانية. فقد ميز بوضوح بين المهاجر الذي تدفعه الظروف إلى البحث عن حياة أفضل، وبين الشبكات التي حولت معاناة البشر إلى تجارة عابرة للحدود. وهو تمييز يعكس فهماً لطبيعة الظاهرة، ويؤكد أن حماية الحدود لا تتعارض مع احترام الكرامة الإنسانية، بل تكملها.

اقتصادياً، لم يحاول الرئيس أن يقدم صورة وردية للواقع، لكنه استند إلى مؤشرات اعتبرها دليلاً على تحسن إدارة المالية العامة، من بينها تراجع المديونية وتقليص العجز. وقد تبدو هذه الأرقام بعيدة عن انشغالات المواطن اليومية، غير أن التجارب الاقتصادية تؤكد أن أي مشروع تنموي يحتاج أولاً إلى مالية عامة مستقرة، لأن الدولة المثقلة بالديون والعجز لا تستطيع الاستثمار في الخدمات ولا في البنية التحتية.

ومن هنا يكتسب الحديث عن الغاز والطاقة أهميته الاستراتيجية. فقد تعامل الرئيس مع هذا الملف بقدر كبير من الواقعية، رافضاً تصوير الثروة الغازية باعتبارها حلاً سحرياً لجميع المشكلات. فالموارد الطبيعية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول إلى تنمية إلا إذا أحسن استثمارها، وتوفرت لها البيئة القانونية والمالية والتقنية المناسبة. ومن هذا المنطلق، فإن الشراكات الدولية التي ترافق مشاريع الغاز لا ينبغي النظر إليها بوصفها انتقاصاً من السيادة، وإنما باعتبارها وسيلة لامتلاك التكنولوجيا والتمويل اللازمين لإنجاز مشاريع بهذا الحجم.

وفي حديثه عن قانون الرموز، بدا الرئيس حريصاً على الدفاع عن مبدأ لا عن نص جامد. فقد أكد تمسكه بحرية التعبير باعتبارها من مكتسبات الدولة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن حماية الوحدة الوطنية ومؤسسات الجمهورية مسؤولية لا تقل أهمية عن حماية الحريات. والأهم أنه لم يغلق باب المراجعة، بل أبدى استعداداً لإعادة النظر في تسمية القانون وصياغته إذا كان ذلك من شأنه إزالة أي لبس، وهو ما يعكس استعداداً للحوار أكثر مما يعكس تشبثاً بالشكل.

ولم يكن حديثه عن الشباب منفصلاً عن بقية محاور المؤتمر، بل جاء امتداداً لرؤية تعتبر أن مستقبل الدولة لا يُبنى إلا بإشراك الجيل الجديد في المسؤولية والإنتاج وصنع القرار. فتمكين الشباب، في نهاية المطاف، ليس مجرد شعار انتخابي، بل استثمار في المورد الأكثر قيمة لأي وطن.

ويبقى أن الرسالة الأعمق في المؤتمر لم تكن مرتبطة بملف بعينه، وإنما بفكرة الدولة نفسها. فكل المحاور التي تناولها الرئيس، على اختلافها، كانت تلتقي عند ضرورة الحفاظ على الاستقرار، وتقوية المؤسسات، وترسيخ الوحدة الوطنية باعتبارها الإطار الذي لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح خارجه.

قد يختلف الموريتانيون في تقييم حصيلة السنوات الماضية، وقد يكون لبعض الانتقادات ما يبررها، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن البلاد تمكنت، في محيط شديد الاضطراب، من الحفاظ على استقرارها السياسي والأمني، ومن إطلاق مشاريع استراتيجية يعول عليها في رسم ملامح الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة. وهذه ليست نهاية الطريق، بل بدايته، لأن التحدي الحقيقي لن يكون في إعلان البرامج، وإنما في تحويلها إلى نتائج يلمسها المواطن في مستوى معيشته، وفي جودة الخدمات، وفي اتساع فرص العمل.

لقد قدم الرئيس، في مؤتمره الصحفي، قراءة للدولة من زاوية المسؤولية لا من زاوية المزايدة. وقد يختلف المتابعون في تقدير بعض الخيارات أو في تقييم بعض السياسات، غير أن الرسالة المركزية كانت واضحة: لا إصلاح من دون استقرار، ولا تنمية من دون مؤسسات، ولا مستقبل لموريتانيا إلا بوحدة أبنائها وثقتهم في دولتهم. وهي معادلة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في واقع منطقة تموج بالأزمات، تبدو أكثر إقناعاً من كثير من الشعارات التي لم تصمد أمام اختبار الواقع.

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI