
على مقام الخلود. احمد محمد حماده .
لم تكن ديمي بنت آبه مجرد اسمٍ في سجل الفن الموريتاني، ولا صوتًا جميلًا مرّ في زمنٍ ثم انطفأ، بل كانت حالةً فنيةً وإنسانيةً استثنائية، صنعت حضورها بهدوء الكبار، وتركت أثرها بعمقٍ لا يُقاس بعدد الأغنيات ولا بطول السنوات. كانت من تلك الأصوات التي لا تكتفي بأن تُسمع، بل تُحسّ… وتبقى.
ولعل في انتمائها إلى تكانت ما يفسّر شيئًا من ذلك الصفاء الذي سكن صوتها والعمق الذي لازم حضورها. فمن تلك الربوع الموريتانية ذات الطبيعة الآسرة، حيث تتعانق الهضاب مع امتداد الأفق، وتجاور الواحاتُ صمتَ الأرض وهيبتها، خرجت ديمي تحمل في وجدانها شيئًا من جمال المكان وروحه. كانت تكانت أكثر من مسقطٍ للأصل؛ كانت ذاكرةً أولى، وظلًّا ممتدًا في الإحساس والنبرة والانتماء. وفي جمالها الهادئ، وتاريخها العريق، وخصوصيتها التي تجمع بين القسوة والجمال، ما يشبه الكثير من الفن الذي قدمته ديمي: أصيلًا، عميقًا، وباقيًا في الوجدان.
حين كانت تغني، لم يكن الصوت وحده ما يصل إلى الناس، بل كانت تصل معهم روح موريتانيا؛ بتراثها، ولهجتها، وإيقاعاتها، وذاكرتها الممتدة في وجدان أهلها. حملت الفن الموريتاني خارج حدوده الجغرافية، وقدّمته للعالم كما هو: أصيلًا، غنيًا، وقادرًا على أن يجد مكانه بين مختلف الثقافات دون أن يفقد هويته.
امتلكت ديمي تلك القدرة النادرة على أن تجعل الغناء أكثر من أداء، وأكثر من شهرة؛ كان بالنسبة لها رسالةً وانتماءً وصورةً لوطنٍ كامل يُروى بالنغم. لم تتعامل مع الفن باعتباره مساحة للظهور، بل بوصفه لغةً تحفظ الذاكرة وتمنح المشاعر شكلًا يمكن أن يبقى.
ولعل أكثر ما يميز أصحاب الأثر الحقيقي أنهم لا يغيبون لحظة الرحيل. فرغم أن الغياب كان موجعًا وثقيلًا، ورغم أن خبر انتقالها إلى جوار ربها ترك في القلوب شعورًا بأن شيئًا من الجمال قد انسحب بهدوء من المشهد، إلا أن ما تركته كان أكبر من فكرة الرحيل نفسها.
رحلت ديمي، لكن صوتها لم يرحل. بقي في تسجيلاتٍ تعاد، وفي لحظاتٍ يستعيدها جمهورها، وفي ذاكرة جيلٍ عرفها رمزًا، وجيلٍ آخر سيعرفها من خلال ما تركته خلفها. فهناك فنانون ينتهون بانتهاء حضورهم، وهناك من يتحولون إلى جزءٍ من الذاكرة الثقافية لشعوبهم… وديمي كانت من هذا النوع الأخير.
وفي مثل هذا اليوم، لا يكون استحضارها مجرد وقوفٍ عند ذكرى الغياب، بل وقفة تقديرٍ لمسيرةٍ تركت أثرًا يتجاوز الزمن. نستعيد اسمها لا لنقول إنها كانت هنا فقط، بل لنقول إن بعض الحضور لا يزول، وبعض الأصوات لا يطفئها الرحيل.
فالأصوات العظيمة لا تموت حين تصمت… إنها فقط تنتقل من المسارح إلى الذاكرة، ومن اللحظة إلى الخلود.
وهكذا تبقى ديمي بنت آبه… صوتًا خرج من تكانت، وغنّى لموريتانيا، وعبر إلى العالم، ثم استقر — بعد الرحيل — على مقام الخلود.