الإعلام والقضايا الوطنية الحساسة.. بين مسؤولية الكلمة وإغراء الإثارة

تؤدي وسائل الإعلام دوراً محورياً في تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاشات الوطنية، ولذلك فإن المسؤولية الملقاة على عاتقها لا تقتصر على نقل الأخبار والمعلومات، بل تمتد إلى كيفية تقديمها ووضعها في سياقها الصحيح بما يخدم المصلحة العامة ويحافظ على تماسك المجتمع.

ومن هذا المنطلق، يثير الاستغراب ما ذهبت إليه إحدى المؤسسات الإعلامية من التركيز على عدم تناول ملف لحراطين خلال الاجتماع الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية بقادة أحزاب الأغلبية، وكأن غياب هذا الملف عن نقاش ذلك الاجتماع يشكل حدثاً بحد ذاته أو مؤشراً يستحق الإبراز والتوقف عنده.

فالاجتماع، بحسب ما تم تداوله، ناقش جملة من القضايا الوطنية والإقليمية الملحة، من بينها الحوار الوطني المرتقب، وارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها على المواطنين، والتحديات الاقتصادية الراهنة، إضافة إلى التطورات الأمنية والسياسية في جمهورية مالي وما قد يترتب عليها من تأثيرات على المنطقة. وهي ملفات ثقيلة وحاضرة بقوة في اهتمامات الدولة والمجتمع، ومن الطبيعي أن تستحوذ على مساحة واسعة من النقاش والتشاور.

لكن اللافت هو محاولة البعض تقديم عدم طرح ملف لحراطين في ذلك الاجتماع باعتباره معلومة ذات دلالة سياسية خاصة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الزج بإحدى أهم مكونات المجتمع الموريتاني في سياق لا يرتبط بها بشكل مباشر.

فهل أصبح من الضروري إقحام البعد الشرائحي في كل نقاش سياسي أو اقتصادي أو أمني؟ وهل من المنطقي أن تتم مقارنة قضايا ترتبط بالأمن الإقليمي، وارتفاع الأسعار، والمحروقات، والحوار الوطني، بملفات أخرى تختلف طبيعتها وسياقاتها وأدوات معالجتها؟

إن شريحة لحراطين مكون أصيل من مكونات الشعب الموريتاني، ولها مكانتها التاريخية والاجتماعية والوطنية، وقد أسهم أبناؤها في بناء الدولة وخدمة المجتمع في مختلف المجالات. ومن حقها أن تُناقش قضاياها بجدية ومسؤولية، لكن من غير المقبول أن تتحول إلى ورقة يتم استدعاؤها كلما اقتضت الحاجة إلى الإثارة الإعلامية أو التوظيف السياسي.

إن القضايا المرتبطة بالوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية والاندماج المجتمعي أكبر وأعمق من أن تُختزل في ذكرها أو عدم ذكرها خلال اجتماع سياسي بعينه. كما أن معالجتها تتطلب رؤى وسياسات وبرامج عملية، لا مجرد عناوين مثيرة أو إيحاءات قد تدفع الرأي العام إلى قراءة الأحداث الوطنية من منظور المكونات والشرائح بدلاً من قراءتها من منظور المصلحة الوطنية الجامعة.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلاميين بشكل خاص. فالإعلام المهني لا ينبغي أن ينجرف وراء الحسابات السياسية أو محاولات صناعة الجدل، بل يفترض أن يكون أكثر حرصاً على تقديم المعلومات في سياقها الصحيح، وأن يضع نصب عينيه الآثار المحتملة لبعض الطروحات على السلم الاجتماعي والانسجام الوطني.

فليس كل ما يمكن تحويله إلى عنوان صحفي يستحق أن يُقدَّم بهذه الطريقة، وليس كل تفصيل قابل للتأويل يجب أن يُستثمر لإثارة النقاش. فالكلمة مسؤولية، والعنوان مسؤولية، واختيار زاوية المعالجة مسؤولية كذلك.

إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب إعلامي يعزز المشتركات الوطنية، ويُعلي من قيم المواطنة، ويبتعد عن كل ما من شأنه تغذية التصنيفات الضيقة أو تأجيج الحساسيات بين مكونات المجتمع. كما تحتاج إلى صحافة تدرك أن دورها لا يقتصر على السبق والانتشار، بل يشمل أيضاً حماية الوعي العام والمساهمة في ترسيخ ثقافة التعايش والاحترام المتبادل.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل تحويل مكوناتها الاجتماعية إلى أدوات في معارك السياسة والإعلام. فحين تصبح القضايا الوطنية الحساسة مادة للجدل والإثارة، يفقد النقاش العام توازنه، وتتراجع المصلحة الوطنية أمام حسابات ضيقة لا تخدم أحداً.

إن شريحة لحراطين، كما جميع مكونات الشعب الموريتاني، تستحق الاحترام والإنصاف والمعالجة الجادة لقضاياها، لا أن تُستدعى كلما احتاج البعض إلى عنوان مثير أو زاوية جديدة للنقاش. كما أن مسؤولية الإعلام تقتضي أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، وأن يساهم في ترسيخ الوحدة الوطنية لا في توفير مناخ يسمح بإعادة إنتاج الانقسامات والحساسيات.

فموريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويعزز الثقة بين أبناء الوطن الواحد. أما العبث بالقضايا المرتبطة بمكونات المجتمع، أو توظيفها خارج سياقها الطبيعي، فهو لعب بالنار لا رابح فيه، لأن الخاسر في النهاية هو الوطن بأكمله.

زر الذهاب إلى الأعلى