ضبط الموقف في الشأن الخارجي/بقلم أحمد عيسى اليدالي

في كل مرة تشهد فيها دولة شقيقة أو صديقة تطورات أو تجاذبات سياسية داخلية، نلاحظ المشهد نفسه يتكرر…

بعض كُتّابنا ونشطاء مواقع التواصل يتسرعون في الاصطفاف، وكأنهم طرف في معادلة لا تخصهم، فيدعمون طرفًا ضد آخر، ويتبنون مواقف حادة، ويصدرون أحكامًا بثقة على واقعٍ مركب لا يملكون كل معطياته.

هذا سلوك لا يخدم أحدًا، ولا يخدم، بالخصوص، مصالح بلدنا.

فالتفاعلات الداخلية للدول تبقى شأنًا يخص أهلها بالدرجة الأولى؛ فهم الأعلم بسياقاتها، والأقدر على إدارتها وفق توازناتهم ومؤسساتهم ومصالحهم الوطنية.

والحكمة تقتضي أن ندرك أن الدخول في هذه التجاذبات، حتى بالكلام، قد يضعنا – من حيث لا نقصد – في موقع طرف مع طرف أو ضد طرف، وهو ما لا ينبغي أن يحدث.

خذوا محيطنا المباشر مثالًا.

بلدان شقيقة، ذات مؤسسات قائمة ونخب سياسية واعية، تمر أحيانًا بلحظات توتر أو اختلاف، لكنها تملك من الخبرة والرصيد ما يمكّنها من تدبيرها بنفسها.

دورنا ليس أن ننحاز، ولا أن نُقيِّم من الخارج، ولا أن نحوّل فضاءات التواصل إلى ساحات تحكيم في قضايا لا تخصنا.

الأولى هو التحلي بالمسؤولية وبقدر من التواضع السياسي.

موريتانيا ليست في حاجة إلى استيراد التوترات، ولا إلى فتح جبهات كلامية مع محيطها الطبيعي. فمصالح الدول تُبنى بالهدوء والاحترام وحسن تقدير المواقف، لا بردود الفعل ولا بالحماس اللحظي.

حرية التعبير قيمة، نعم، لكن هناك فرق واضح بين: إبداء الرأي وبين الاصطفاف، وبين الاهتمام بما يجري وبين تحويله إلى معركة شخصية.

ومن التناقض أن نطالب الآخرين باحترام سيادتنا وخياراتنا، ثم نقع في الخطأ نفسه حين نتعامل مع شؤونهم الداخلية.

الدولة لها قنواتها وحساباتها وموقعها في إدارة علاقاتها الخارجية، أما الأفراد فالكلمة عندهم في هذا النوع من الملفات قد تكون أكبر من مجرد رأي، وقد تتحول بسهولة إلى عبء لا حاجة لنا به.

نحن في منطقة تحتاج إلى التهدئة لا التأجيج، وإلى بناء الثقة لا استنزافها.

والحكمة ليست أن نقول كل ما نعرفه أو نظنه، بل أن نعرف متى يكون الابتعاد عن التدخل في شؤون الآخرين موقفًا، ومتى يكون ضبط النفس في حد ذاته خدمة حقيقية للمصلحة الوطنية.

أحمد عيسى اليدالي

زر الذهاب إلى الأعلى