
في تثمين الوعي الحارس للوحدة الوطنية بقلم: أحمد محمد حماده – كاتب ومحلل سياسي
ليس من السهل أن يكتب المرء في موضوع الوحدة الوطنية دون أن يلامس مناطق حساسة من الوعي الجمعي، ولا أن يخوض في حدود النقد المشروع دون أن يقترب من تخوم الانقسام. غير أن ما قدّمته الدكتورة تماد إسلم أيديه في مقالها الأخير، الذي تناولت فيه قراءتنا لمقال الإعلامية الكبيرة جميلة بنت اخليفه حول الوحدة الوطنية، يندرج ضمن ذلك النوع النادر من الكتابة التي لا تكتفي بالاختلاف، بل ترتقي به إلى مستوى الإثراء.
لقد جاء مقال الدكتورة تماد محمّلًا بهاجس واضح: حماية الوحدة الوطنية من أي انزلاق قد يهددها، حتى وإن جاء ذلك الانزلاق من باب النقد الذي يبدو في ظاهره مشروعًا. وهو هاجس مشروع في سياق إقليمي ودولي تتزايد فيه هشاشة الدول أمام تصاعد خطابات التفكيك، كما أنه يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها المجتمع الموريتاني.
وفي تقديري، فإن القيمة الأساسية في طرحها لا تكمن فقط في التحذير من مخاطر التسييس المفرط للاختلالات الاجتماعية، بل في لفت الانتباه إلى مسألة جوهرية كثيرًا ما يتم التغافل عنها: وهي أن أثر الخطاب قد يتجاوز نواياه. فالكلمة، مهما كانت منطلقة من رغبة في الإصلاح، قد تتحول – إذا لم تُحسن صياغتها – إلى عنصر توتير أو مدخل لإعادة إنتاج سرديات الانقسام.
هذا التنبيه في غاية الأهمية، لأنه يضعنا أمام مسؤولية مزدوجة: مسؤولية التشخيص الصادق للاختلالات، ومسؤولية الحفاظ على السقف الوطني الذي يمنع تحول هذا التشخيص إلى خطاب عام يُضعف الثقة بين مكونات المجتمع. ومن هنا، فإن ما ذهبت إليه الدكتورة تماد من ضرورة الحسم في التمييز بين النقد الذي يبني والنقد الذي يهدم، يستحق التوقف عنده باعتباره دعوة إلى ترشيد الخطاب، لا إلى تقييده.
لقد حاولنا في قراءتنا السابقة لمقال الإعلامية جميلة بنت اخليفه أن نؤكد على هذا التوازن ذاته، من خلال الدعوة إلى الإنصاف كمدخل لتعزيز الوحدة الوطنية، والتنبيه إلى أن الشعور بالغبن – حين يُهمل – قد يتحول إلى مصدر توتر. غير أن قراءة الدكتورة تماد أضافت بعدًا آخر للنقاش، يتمثل في التحذير من أن معالجة هذا الغبن ينبغي ألا تنزلق إلى تعميمات تُفهم على أنها مساس بصورة الوطن أو تشكيك في أسسه.
وإذ أتحدث عن ضرورة معالجة مشاعر الغبن والتهميش، فإنني لا أعني بأي حال من الأحوال تبرير خطاب الكراهية أو التساهل مع الغلو في النقد حين ينزلق إلى ما يهدد تماسك المجتمع. فالفارق واضح بين المطالبة العادلة بالإصلاح من داخل الإطار الوطني، وبين الخطاب الذي يتغذى على التعميم ويُنتج الانقسام. إن معالجة الاختلالات ينبغي أن تظل منضبطة بروح المسؤولية، ومؤطرة بسقف يحفظ الوحدة الوطنية، بحيث يكون الهدف هو ترميم الثقة وتعزيز اللحمة، لا فتح المجال أمام سرديات تؤسس للقطيعة أو تُضعف الشعور المشترك بالانتماء.
وهنا تحديدًا يلتقي الطرحان، لا في نفي أحدهما للآخر، بل في تكاملهما. فالوحدة الوطنية، كما أشارت الدكتورة، ليست مجرد شعار، بل شرط وجود. لكنها في الآن ذاته ليست معطى ثابتًا لا يتأثر، بل بناء يتعزز بالعدل والإنصاف، ويضعف حين تتراكم الاختلالات دون معالجة. ومن ثم، فإن صيانتها تقتضي الجمع بين أمرين: الحزم في رفض كل خطاب تفكيكي، والجدية في معالجة الأسباب التي قد تغذيه.
إن أهمية هذا النقاش لا تنبع فقط من موضوعه، بل من طبيعته أيضًا. فهو نقاش بين أقلام تنطلق من حرص مشترك على الوطن، حتى وإن اختلفت زوايا النظر. وفي زمن يغلب عليه الاستقطاب، يصبح مثل هذا الحوار المسؤول دليلًا على حيوية الفكر الوطني، وعلى قدرة النخبة على إدارة اختلافها دون أن تسقط في فخ التخوين أو التبسيط.
لقد أصابت الدكتورة تماد حين أكدت أن الخطر لا يكمن في وجود مظالم بحد ذاتها، بل في كيفية التعبير عنها. وهي فكرة تستحق أن تُبنى عليها مقاربات إعلامية وسياسية أكثر وعيًا، لأن الخطاب العام لم يعد مجرد انعكاس للواقع، بل صار فاعلًا فيه، يساهم إما في ترميمه أو في تعميق تصدعاته.
وعليه، فإن تثميننا لما جاء في مقالها لا يعني فقط الاتفاق مع مضمونه، بل الاعتراف بأهمية الدور الذي تؤديه هذه الكتابة في ضبط إيقاع النقاش العمومي. فالأوطان لا تُحمى فقط بالقوانين والمؤسسات، بل أيضًا بالكلمة المسؤولة التي تعرف أين تقف، ومتى تُحذّر، وكيف تُسهم في البناء دون أن تفتح أبواب الهدم.
ولا يفوتني في هذا السياق أن أعبّر عن تقديري الكبير للأقلام النسائية التي باتت تضطلع بدور متقدم في صناعة الوعي وتوجيه النقاش العام. فقد أثبتت المرأة الكاتبة، من خلال حضورها المتنامي وقوة طرحها، أنها ليست مجرد صوت موازٍ، بل فاعل أساسي في تشكيل الرأي العام وإثراء الساحة الفكرية برؤى متزنة وعميقة. إن هذا الحضور يعكس نضجًا مجتمعيًا متزايدًا، ويؤكد أن إشراك المرأة في الفضاء الثقافي والإعلامي ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة تفرضها متطلبات التوازن والعدالة في تمثيل مختلف زوايا النظر، بما يسهم في بناء وعي وطني أكثر شمولًا واتزانًا.
ختامًا، لا يسعني إلا أن أعبّر عن تقديري الصادق للدكتورة تماد إسلم أيديه على تناولها الرصين لمقالنا، وما اتسم به من قراءة مسؤولة جمعت بين الحرص على الوحدة الوطنية واليقظة تجاه منزلقات الخطاب العام. إن هذا النوع من التفاعل الفكري الجاد لا يعكس فقط احترامًا متبادلًا بين الأقلام، بل يؤسس أيضًا لنقاش عمومي أكثر نضجًا واتزانًا، تكون فيه الكلمة أداة بناء لا وسيلة هدم. ولعل في مثل هذه الحوارات ما يعزز ثقتنا بأن اختلاف الرؤى، حين ينضبط بروح المسؤولية، يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية لترسيخ ما يجمعنا لا لتفكيكه.
الوحدة الوطنية ليست محل مساومة… بل شرط وجود بقلم: د. تماد إسلم أيديه