سلسلة »الوعي التدبري والسنن الإلهية« المقال الأول: السنن الإلهية… لماذا لا يحابي الواقع أحدًا؟ الحلقة الأولى: ما السنن الإلهية؟ ولماذا نحتاج إلى فهمها؟
مدخل: لماذا تتكرر النتائج رغم اختلاف الأشخاص والأزمنة؟
تتغير الحكومات، وتتبدل الإدارات، وتتجدد الشعارات، وتُعلن الخطط والمبادرات، لكن بعض المشكلات تبقى، وكأنها تنتقل من جيل إلى آخر.
وقد تمتلك مؤسسة إمكانات كبيرة، ثم تتعثر، بينما تنجح مؤسسة أخرى بموارد أقل. وقد تنطلق أمة من ظروف صعبة فتنهض، بينما تتراجع أمة تمتلك تاريخًا عريقًا وثروات واسعة.
وقد تنشأ جماعات وأحزاب وحركات تحمل أفكارًا كبرى، وترفع شعارات الإصلاح والتغيير، وتستقطب أعدادًا من المؤيدين، لكنها بعد سنوات تجد نفسها أمام الأزمات نفسها التي نشأت لمعالجتها؛ فتتبدل القيادات وتتكرر الانقسامات، وتتسع الفجوة أحيانًا بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. وفي المقابل، قد تنجح جماعات أخرى في مراجعة أفكارها وأساليب عملها، وتطوير مؤسساتها، والتعلم من أخطائها، فتزداد قدرتها على تحقيق أهدافها وخدمة مجتمعاتها.
وحين نتأمل هذه المشاهد، تبرز أسئلة تستحق أن نتوقف عندها:
لماذا تتكرر بعض النتائج حين تتكرر مقدماتها، رغم اختلاف الأشخاص والأماكن؟ وهل يكفي أن نرغب في النجاح حتى نحققه؟ وهل يمكن أن نتعلم ونعتبر من تجارب السابقين ما يساعدنا على فهم حاضرنا، بدل أن نكرر الأخطاء نفسها؟
إننا نميل أحيانًا إلى تفسير الأحداث من خلال الأشخاص والوقائع الظاهرة؛ فننسب النجاح إلى قائد، أو الفشل إلى مسؤول، أو التراجع إلى ظرف طارئ.
ولا شك أن للأشخاص والظروف أثرًا، لكن الاقتصار عليها قد يحجب عنا علاقات أعمق بين الأفعال والنتائج، وبين القرارات والمآلات، وبين ما يتراكم عبر الزمن وما يظهر في لحظة معينة.
وهنا يفتح القرآن الكريم أمامنا بابًا مهمًا للنظر والاعتبار.
قال تعالى:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧].
تستوقفنا في هذه الآية ثلاث تعبيرات مترابطة: »فسيروا«، »فانظروا«، »كيف«.
أولًا: »فسيروا في الأرض«… تجاوز المعرفة المنقولة إلى الاعتبار بالواقع.
السير في الأرض يفتح أمام الإنسان مجالًا لمشاهدة آثار السابقين والتعرف إلى أحوالهم وعواقبهم. وليس المقصود أن يكتفي بالتنقل بين الأماكن، بل أن يكون سيره سبيلًا إلى النظر والاعتبار.
وفي واقعنا المعاصر، يمكن أن نستفيد من هذه الهداية في دراسة تجارب الأمم والمؤسسات والجماعات، والرجوع إلى الوثائق والشواهد التاريخية والبحوث الموثوقة؛ فهذه وسائل معرفية تعيننا على توسيع النظر، وإن لم تكن بديلًا مطابقًا للسير المذكور في الآية.
ثانيًا: »فانظروا«… من المشاهدة إلى التأمل والاعتبار.
لم يأتِ الأمر بالسير منفصلًا عن النظر، بل جاء بعده: ﴿فَانْظُرُوا﴾.
وهذا يدعونا إلى ألا تكون معرفة الأحداث غاية بذاتها؛ فقد يعرف الإنسان أن أمة تراجعت، أو أن جماعة تفككت، أو أن مؤسسة انهارت، لكنه لا يتجاوز وصف ما حدث.
أما النظر الذي نريد أن نتعلمه، فيدفعنا إلى فحص الشواهد، ومراجعة التفسيرات، والتفكير فيما تكشفه التجربة من دروس.
ثالثًا: »كيف كان عاقبة المكذبين«… السؤال عن الكيفية والمآلات.
هنا ينبغي الانتباه إلى دقة التعبير القرآني؛ فكلمة »كيف« تتعلق بهيئة العاقبة وحالها: كيف كانت نهاية المكذبين؟
ولا يصح أن نجعلها، بمفردها، مرادفة للسؤال عن جميع الأسباب التفصيلية التي أدت إلى تلك العاقبة.
لكن النظر في العاقبة، ضمن سياق الآية وما يبينه القرآن من أحوال الأمم وأفعالها، يفتح أمامنا بابًا مشروعًا للتساؤل عن العلاقة بين المواقف والنتائج، وعن الدروس التي يمكن استخلاصها.
وهنا تبدأ المقاربة مع واقعنا.
حين ندرس تجربة حزب أو جماعة أو مؤسسة أو دولة، لا يكفي أن نسأل: هل نجحت أم أخفقت؟
بل نوسع أسئلتنا:
ما القرارات التي اتخذتها؟ وكيف تعاملت مع الاختلاف؟ وهل راجعت أخطاءها؟ وما العوامل الداخلية والخارجية التي أثرت في مسارها؟ وما الشواهد التي تدعم تفسيرنا لما حدث؟
ولا ينبغي أن نتسرع في نسبة كل نتيجة إلى سبب واحد؛ ففهم الواقع يحتاج إلى أدلة، وإلى التمييز بين ما نعرفه وما نظنه.
وبذلك نتعلم من الآية منهجًا في الاعتبار: أن نبحث عن الشواهد، ونتأمل العواقب، ونراجع المواقف، ونستخلص ما يعيننا على حسن الاختيار.
فالغاية ليست أن نعرف كيف انتهت تجارب السابقين فحسب، بل أن نستفيد من النظر فيها حتى لا نكرر أخطاء كان يمكن التعلم منها.
وهذا هو المدخل الذي نريد أن ننطلق منه: أن ننتقل من الانشغال بالأحداث وحدها إلى فهم السنن التي يقررها القرآن، ومن وصف النتائج إلى البحث في مقدماتها وأسبابها، ومن الاعتبار بالماضي إلى تحمل المسؤولية في الحاضر.
أولًا: ما السنن الإلهية في القرآن؟
قبل أن نتحدث عن أثر السنن في حياة الأفراد والمجتمعات، ينبغي أن نحرر معنى هذا المفهوم، وألا نفترض أن كل ما نطلق عليه اليوم »سُنّة الإلهية « يحمل الدلالة نفسها في جميع المواضع القرآنية.
تدور كلمة »السُّنّة« في الاستعمال العربي حول الطريقة والسيرة والمسلك المتبع، لكن تحديد معناها في القرآن يقتضي النظر في السياق الذي وردت فيه.
قال تعالى:
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ۖ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].
وقال:
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧].
وقال:
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣].
هذه الآيات تلفت النظر إلى وجود سنن إلهية تتصل بما جرى للأمم السابقة، وإلى ثبات ما قرره الله في مواضعها وسياقاتها.
لكن من المهم ألا نغفل أن كل آية وردت في سياق معين؛ فآية الأحزاب تتصل بالحديث عن المنافقين والمرجفين، وآية الإسراء جاءت في سياق موقف الأقوام من رسلهم، وآية فاطر تتناول الاستكبار والمكر السيئ وعواقبه.
ولهذا لا يصح أن نقتطع عبارة »لن تجد لسنة الله تبديلًا« من سياقها، ثم نجعلها وحدها دليلًا على كل علاقة اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية نريد إثباتها.
فثبات السنة التي يقررها القرآن شيء، وصحة تحديدنا نحن لتلك السنة وشروطها ومجال انطباقها شيء آخر.
ما السنن الإلهية؟
السنن الإلهية هي ما قرره الله من طرائق وأحكام ثابتة ومطّردة، تحكم جوانب من حياة الإنسان والمجتمعات ومصائر الأمم، وتجري وفق أسبابها وشروطها؛ ومعنى أنها مطّردة أن آثارها تجري كلما تحققت أسبابها وشروطها كما قررها الله، دون محاباة لأحد بسبب اسمه أو نسبه أو مكانته أو انتمائه الديني.
فهي لا تتوقف لأن الإنسان يجهلها، ولا تتغير لمجرد أنه يتمنى خلاف نتائجها؛ وإنما تقتضي منه أن يفهمها، ويراعي أسبابها وشروطها، ويتحمل مسؤولية اختياراته وأفعاله.
مثال من واقعنا:
إذا تولى إدارة مؤسسة شخص صالح النية يؤدي صلاته وصيامه وحجه وزكاته ، لكنه أهمل التخطيط، وأسند المسؤوليات إلى غير المؤهلين، وغابت المساءلة، فإن صلاح نيته والتزامه وحده لا يكفي لحماية المؤسسة من التعثر.
وفي المقابل، فإن المؤسسة التي تعتني بالكفاءة، وتوضح المسؤوليات، وتراجع أخطاءها، تكون أقدر على تحقيق أهدافها، حتى لو استلمها من لا يحمل القران ولو كانت مواردها محدودة.
ولا يعني هذا أن نجاح المؤسسات أو إخفاقها محكوم بعامل واحد، وإنما يوضح أن النيات والانتماءات لا تلغي آثار الممارسات والقرارات، وأن النتائج لا تنفصل عن أسبابها وظروفها.
وهنا تتجلى أهمية الوعي السنني:
أن ندرك أن السنن لا تجامل أحدًا، وأن الحكمة ليست في انتظار نتائج نتمناها، بل في فهم الأسباب والعمل بمقتضاها، وتجنب ما يقود إلى نتائج لا نريدها.
وهذا التعريف لا يعني أن كل ظاهرة نلاحظ انتظامها في الحياة قد وردت في القرآن بوصفها سُنّة إلهية منصوصًا عليها.
كما لا يعني أن القرآن يقدم لنا قائمة تفصيلية بجميع القوانين التي تدرسها العلوم الطبيعية والاجتماعية.
فالقرآن كتاب هداية، يدعو الإنسان إلى النظر والتفكر والتعقل والاعتبار، ويقرر من السنن والهدايات ما يعينه على فهم مسؤوليته وموقعه في الحياة.
أما اكتشاف التفاصيل المتعلقة بعمل الطبيعة والمجتمع، فهو مجال واسع للبحث والملاحظة والتجربة، تتطور فيه المعرفة البشرية وتُراجع باستمرار.
فهم السنن إذن لا يبدأ بإطلاق الأسماء على الظواهر، وإنما يبدأ بالسؤال: ماذا قرر القرآن فعلًا؟ وما حدود ما نستطيع فهمه واستنباطه منه؟
ثانيًا: ماذا يعني ثبات السنن واطرادها؟
حين نتحدث عن ثبات السنن الإلهية، فقد يتبادر إلى الذهن أن النتائج يجب أن تتكرر بالصورة نفسها كلما تشابهت بعض الظروف.
لكن هذا التصور يحتاج إلى مراجعة.
قال تعالى:
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].
إن ثبات ما يقرره الله لا يجعل الإنسان محيطًا بجميع تفاصيله، ولا يعفيه من دراسة السياقات التي وردت فيها الآيات.
ولهذا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أمور:
١. ثبات ما قرره الله
فإذا قرر القرآن حكمًا أو سُنّة في سياق معين، فإننا نتعامل معه بوصفه حقًا، ونسعى إلى فهم دلالته وشروطه دون تحريف أو تعميم متعجل.
٢. محدودية معرفتنا بالأسباب والشروط
قد نلاحظ نتيجة معينة، ونظن أننا عرفنا سببها، بينما تكون وراءها عوامل أخرى لم ننتبه إليها.
فنجاح مؤسسة، مثلًا، قد يرتبط بالكفاءة والقيادة والثقة والموارد والظروف الاقتصادية والتشريعية، وليس بعامل واحد.
٣. اختلاف السياقات والظروف
قد تتشابه بعض المجتمعات في مشكلة معينة، لكنها تختلف في تاريخها ومؤسساتها وإمكاناتها، ولذلك قد تختلف مسارات المعالجة والنتائج.
ومن هنا فإن الوعي السنني لا يعني أن نمتلك إجابة واحدة نكررها في كل موقف، بل أن نمتلك منهجًا أكثر انضباطًا في فهم النصوص ودراسة السياقات والعوامل والواقع.
هل الاطراد يعني الحتمية في كل ما نلاحظه؟
لا ينبغي أن نخلط بين ثبات السنة الإلهية وبين انتظام العلاقات التي ندرسها في العلوم الإنسانية.
ففي الظواهر الاجتماعية قد تزيد عوامل معينة احتمال وقوع نتيجة، لكنها لا تجعلها حتمية في كل حالة.
مثلًا، قد يؤدي تراجع الثقة داخل مؤسسة إلى زيادة صعوبة التعاون، لكن هذا لا يعني أن المؤسسة ستنهار حتمًا، أو أن النتيجة ستظهر خلال مدة محددة.
وقد تنجح مراجعة السياسات وتغيير أساليب الإدارة في تصحيح المسار.
وهذا يفتح أمامنا بابًا مهمًا:
إن فهم الأسباب لا ينبغي أن يقودنا إلى الاستسلام للنتائج، بل إلى البحث عن إمكانات التدخل والإصلاح لوقف التدهور .
فالغاية من دراسة السنن ليست أن نقول للإنسان إن مصيره قد حُسم، وإنما أن نساعده على فهم مسؤوليته، والتمييز بين ما يستطيع تغييره وما يتجاوز قدرته، وتنمية قدرته على قراءة المؤشرات، واكتشاف العوامل المؤثرة في مجرى الأحداث، واستشراف النتائج المحتملة قبل وقوعها، واتخاذ إجراءات وقائية وإصلاحية تعالج أسباب الخلل، وتصحح المسارات، وتعزز فرص الوصول إلى النتائج المنشودة.
فالوعي السنني لا يقتصر على تفسير ما حدث، بل يمتد إلى فهم ما يحدث، واستشراف ما قد يحدث، والعمل الواعي للتأثير في مساره.
خلاصة الحلقة الأولى: من فهم السنن إلى الوعي بالأسباب
تعلمنا في هذه الحلقة أن فهم السنن الإلهية يبدأ بتدبر ما يقرره القرآن، وفهم الأسباب والشروط والنتائج، والتمييز بين ثبات ما قرره الله ومحدودية معرفتنا بالواقع.
وأن الوعي السنني لا يقتصر على تفسير الأحداث، بل يساعدنا على قراءة المؤشرات، واستشراف المآلات، واتخاذ إجراءات وقائية وإصلاحية.
خريطة التطبيق
١. اختر مشكلة تتكرر في حياتك أو أسرتك أو مؤسستك.
٢. ابحث عن أسبابها، ولا تكتفِ بتحديد الأشخاص المسؤولين عنها.
٣. حدد المؤشرات التي تكشف تفاقم المشكلة أو تراجعها.
٤. ميّز بين العوامل التي تستطيع التأثير فيها وتلك التي تتجاوز قدرتك.
٥. اتخذ إجراءً إصلاحيًا، وحدد موعدًا لمراجعة نتائجه.
مؤشر التحول: أن تنتقل من السؤال »لماذا يحدث هذا؟« إلى السؤال »ما أسبابه، وما الذي أستطيع فعله لتغيير مساره؟«
ومضة للتأمل: إذا كانت النتائج تتكرر، فهل نحتاج إلى تغيير الأشخاص فقط، أم إلى تغيير الأسباب والممارسات التي تعيد إنتاجها؟
د. محمد مصطفى
مؤسس ومطور مشروع الوعي التدبري
تدبر يصنع وعيًا… وعي يصنع إنسانًا… إنسان يصنع حضارة
ريم شات · Rim Chat
محادثات ومكالمات صوت وفيديو، منشورات وسوق — بالعربية أولًا. حمّله مجانًا على هاتفك.