الأخبار

بين علمٍ بلا أخلاق وأخلاقٍ بلا علم: أيُّ تعليم نريد لمستقبل مجتمعاتنا ؟بقلم : احمد محمد حماده كاتب و محلل سياسي .

قراءة في أزمة التعليم، وتحديات التنشئة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، والحاجة إلى بناء مدرسة تجمع بين المعرفة والقيم.

سمعتُ للداعية والمفكر طارق السويدان فكرة لافتة، مفادها أن بعض مدارس الغرب تمتلك العلم لكنها تفتقر إلى الأخلاق، بينما تمتلك بعض مدارس الدول العربية والإسلامية الأخلاق لكنها تفتقر إلى العلم. وهي فكرة، وإن كانت تحتاج إلى شيء من التدقيق حتى لا تتحول إلى تعميم على مجتمعات مختلفة، تفتح بابًا واسعًا للتأمل في أزمة التعليم، وفي العلاقة التي كثيرًا ما اختل توازنها بين المعرفة والقيم.

إن أهمية هذه الفكرة لا تكمن في المفاضلة بين الشرق والغرب، ولا في توزيع شهادات التفوق الأخلاقي أو العلمي على المجتمعات، بل في السؤال الجوهري الذي تطرحه علينا: هل نجحنا في بناء مدرسة تُعلِّم الإنسان كيف يفكر، وتُربِّيه في الوقت نفسه على كيف يتصرف؟ وهل يكفي أن نُخرِّج طبيبًا بارعًا، أو مهندسًا متفوقًا، أو خبيرًا في التكنولوجيا، إذا لم تصاحب كفاءته نزاهة في السلوك، وشعور بالمسؤولية، واحترام لحقوق الآخرين؟

إن العلم بلا أخلاق قد يتحول إلى أداة لخدمة المصالح الضيقة، والأخلاق بلا علم قد تبقى نوايا حسنة عاجزة عن معالجة مشكلات الواقع. وبين هذين النقصين تضيع الغاية الأسمى من التعليم: بناء إنسان يمتلك القدرة على الفهم والإبداع، ويملك في الوقت ذاته الضمير الذي يوجه معرفته نحو الخير العام.

المدرسة ليست مصنعًا للشهادات

من الأخطاء التي تسللت إلى فلسفة التعليم في مجتمعات كثيرة اختزال النجاح المدرسي في معدلات الامتحانات، وعدد الشهادات، والقدرة على حفظ المعلومات واستعادتها. فأصبح التلميذ، في بعض البيئات التعليمية، يُقاس بما يحصل عليه من نقاط أكثر مما يُقاس بقدرته على التفكير النقدي، والتعاون، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية.

ولا شك أن التحصيل العلمي أساسي، وأن إتقان اللغات والرياضيات والعلوم والتكنولوجيا شرط لا غنى عنه لمواكبة العصر. لكن المدرسة التي تتوقف مهمتها عند نقل المعلومات تُهمل جانبًا جوهريًا من رسالتها؛ لأن المعرفة لا تتحول تلقائيًا إلى حكمة، والتفوق الدراسي لا يضمن وحده الاستقامة في السلوك.

قد يتعلم التلميذ قواعد النزاهة في كتاب التربية الإسلامية أو التربية المدنية، ثم يجد في واقعه نماذج تكافئ الغش والمحسوبية والأنانية. وقد يحفظ دروسًا عن احترام الآخر، ثم يشاهد في محيطه سخرية من المختلف، واحتقارًا للضعيف، واستعمالًا للسلطة بعيدًا عن العدل.

وهنا تظهر المفارقة: نحن لا نحتاج فقط إلى تعليم التلميذ ما ينبغي أن يؤمن به، بل نحتاج إلى بناء بيئة تساعده على ممارسة ما يتعلمه، حتى تصبح القيم سلوكًا يوميًا، لا عبارات محفوظة استعدادًا للامتحان.

فالأخلاق لا تُدرَّس بالمواعظ وحدها، كما أن العلم لا يُكتسب بالحفظ وحده. كلاهما يحتاج إلى ممارسة، وإلى قدوة، وإلى مؤسسات تجعل ما تقوله منسجمًا مع ما تفعله.

لا علم حقيقيًا بلا مسؤولية، ولا أخلاق فاعلة بلا معرفة

ليس من الإنصاف أن نختزل التعليم الغربي في غياب الأخلاق، أو التعليم العربي والإسلامي في ضعف المعرفة. ففي الغرب مؤسسات تعليمية وعلمية رائدة، وتجارب مهمة في البحث العلمي والتربية المدنية، كما توجد فيه تحديات أخلاقية واجتماعية لا يجوز تجاهلها. وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية تراث غني في العلم والفكر والقيم، إلى جانب تحديات حقيقية تواجه جودة التعليم والبحث العلمي وطرائق التدريس.

لكن المقارنة تصبح مفيدة حين نتعامل معها بوصفها تنبيهًا إلى اختلالات محتملة، لا حكمًا نهائيًا على حضارات كاملة.

إن ما نحتاج إليه هو الاستفادة من التجارب التعليمية الناجحة، أينما وجدت، دون استنساخ أعمى لها، ودون الارتهان إلى وهم أن ما نملكه من قيم يغنينا عن تطوير أدوات المعرفة، أو أن التقدم العلمي يمكن أن يعفينا من مسؤولية بناء الضمير.

فالمجتمع الذي يريد أن يكون فاعلًا في العالم لا يكفيه أن يمتلك منظومة قيمية يعتز بها؛ بل يحتاج إلى علماء وباحثين ومهندسين ومعلمين قادرين على تحويل تلك القيم إلى إنجازات ومؤسسات وحلول عملية.

وفي المقابل، فإن امتلاك التكنولوجيا المتقدمة لا يضمن وحده إقامة مجتمع عادل؛ إذ يمكن للمعرفة ذاتها أن تُستخدم في علاج الأمراض أو في استغلال الإنسان، وفي توسيع فرص التعلم أو في نشر التضليل، وفي خدمة الصالح العام أو في تعظيم مصالح لا تعير حقوق الآخرين اهتمامًا كافيًا.

المسألة، إذن، ليست اختيارًا بين العلم والأخلاق، بل إدراك أن أحدهما يحتاج إلى الآخر حتى يؤدي وظيفته الإنسانية والحضارية.

وسائل التواصل الاجتماعي: امتحان جديد للتربية

تزداد هذه القضية إلحاحًا في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا من الحياة اليومية للنشء، وأصبح الهاتف الذكي نافذة مفتوحة على المعرفة والترفيه والتواصل، لكنه قد يكون أيضًا مدخلًا إلى التشتت والتنمر الإلكتروني والتضليل والمحتوى غير الملائم.

لم تعد المدرسة المصدر الوحيد الذي يتلقى منه الطفل أفكاره وصوره عن العالم. فهناك خوارزميات تقترح عليه ما يشاهده، ومؤثرون يساهمون في تشكيل بعض تصوراته عن النجاح والجمال والمال والشهرة، ومحتويات قد تمنحه انطباعًا بأن قيمة الإنسان تُقاس بعدد المتابعين، وأن الظهور أهم من الإنجاز، وأن إثارة الجدل أسرع طريق إلى الاعتراف الاجتماعي.

وهكذا يجد الناشئ نفسه أمام مدرستين: مدرسة رسمية تسعى إلى تعليمه وفق برنامج محدد، ومدرسة رقمية مفتوحة لا تخضع دائمًا لمعايير تربوية أو أخلاقية واضحة.

والمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها؛ فقد أصبحت وسيلة مهمة للتعلم، والوصول إلى المعرفة، وتنمية المهارات، واكتشاف المواهب. وإنما تكمن في طريقة استخدامها، وفي غياب التوجيه الذي يساعد الطفل على التمييز بين المعلومة والرأي، وبين الحقيقة والإشاعة، وبين حرية التعبير والإساءة إلى الآخرين.

وقد نبهت اليونسكو إلى مخاطر التشتت والتنمر الإلكتروني وانتهاك الخصوصية في البيئة الرقمية، فيما تؤكد اليونيسف أهمية الجمع بين تنمية المهارات الرقمية وحماية الأطفال من المخاطر. وهذا يفرض علينا تجاوز المواقف المتطرفة التي تتراوح بين المنع المطلق والتساهل الكامل.

فحماية النشء لا تتحقق بمصادرة الهواتف وحدها، كما لا تتحقق بترك الأطفال يواجهون العالم الرقمي بمفردهم. إنها مسؤولية تربوية مشتركة تقوم على الحوار، وتنمية الوعي، وتعليم الاستخدام الآمن والنقدي للتكنولوجيا.

فالتلميذ الذي يتعلم كيف يبحث عن المعلومة، ويتحقق من مصدرها، ويحترم خصوصية الآخرين، ويرفض المشاركة في التنمر أو نشر الإشاعات، يمارس العلم والأخلاق معًا في فضاء واحد.

أما إذا تركناه يكتسب مهارات تقنية متقدمة دون أن نغرس فيه المسؤولية الرقمية، فقد يصبح أكثر قدرة على استخدام الأدوات، دون أن يصبح أكثر قدرة على تقدير نتائج استخدامها.

كيف نبني تعليمًا يجمع بين العلم والأخلاق؟

إن تجاوز هذه المفارقة لا يحتاج إلى إضافة دروس نظرية عن الأخلاق إلى البرامج الدراسية فحسب، بل إلى مراجعة أعمق لفلسفة التعليم، ومناهجه، وطرائق تقييمه، والعلاقات الإنسانية التي تسود مؤسساته.

أولًا: إصلاح المناهج دون إغراقها في الوعظ.

ينبغي أن تتضمن المناهج قيم النزاهة واحترام القانون والتسامح والتعاون والمسؤولية البيئية والرقمية، ولكن من خلال مواقف واقعية وأنشطة

 

إعلان
أول تطبيق مراسلات موريتاني

ريم شات · Rim Chat

محادثات ومكالمات صوت وفيديو، منشورات وسوق — بالعربية أولًا. حمّله مجانًا على هاتفك.

عقل الرباط — الملخص الذكي لهذا الخبر

AI