هدى باباه.. إصلاح التعليم في ساعة الحقيقة بقلم: أحمد محمد حماده-كاتب و محلل سياسي
في كل بداية سنة دراسية تتجدد الأسئلة نفسها: هل اكتملت المدارس؟ هل وصل الكتاب المدرسي؟ هل توفرت الطاولات والتجهيزات؟ وهل يوجد العدد الكافي من المدرسين؟ وهي أسئلة طبيعية وضرورية، خصوصاً في بلد ما زال يعمل على توسيع عرضه المدرسي، وتحسين بنيته التحتية، ومعالجة الفوارق بين المدن والمناطق الداخلية.
لكن التعليم الموريتاني يبدو اليوم أمام سؤال أكثر صعوبة: ماذا يتعلم أبناؤنا فعلاً داخل هذه المدارس؟
ربما هنا تحديداً تكمن أهمية المرحلة التي يديرها قطاع التعليم بقيادة الوزيرة هدى باباه. فالإصلاح لم يعد يبدأ من الصفر، ولم تعد المشكلة محصورة في توفير مدرسة أو مدرس أو تجهيزات. لقد تراكمت خلال السنوات الماضية مجموعة من المشاريع والإجراءات التي كان لا بد من البناء عليها، وتحويلها من مجرد إنجازات متفرقة إلى منظومة قادرة على إنتاج تعليم أفضل.
فقد شهد القطاع توسعاً في العرض المدرسي، وتحسناً في البنية والتجهيزات، وتوفير أعداد من المعدات للمؤسسات التعليمية، من المكاتب إلى تجهيزات الطاقة الشمسية وخزانات المياه وأجهزة الحاسوب. وقد تبدو هذه الأشياء، عند قراءتها في بيان إداري، مجرد أرقام ومفردات في قائمة طويلة، لكنها تأخذ معنى مختلفاً تماماً عندما ننظر إليها من داخل مدرسة في منطقة بعيدة.
فالمكتب الذي يصل إلى مؤسسة كانت تعاني نقصاً في التجهيز ليس مجرد قطعة أثاث؛ إنه جزء من بيئة مدرسية أكثر ملاءمة. والطاقة الشمسية في مؤسسة تقع في منطقة لا تصلها الكهرباء بشكل منتظم ليست مجرد تجهيز تقني؛ إنها قد تعني إمكانية تشغيل الحاسوب أو استخدام بعض الوسائل التعليمية بصورة أكثر انتظاماً. أما خزان المياه في مدرسة بعيدة، فهو ليس تفصيلاً هامشياً، وإنما جزء من الشروط الأساسية التي تجعل بقاء التلميذ في المؤسسة أكثر راحة وأماناً.
والأمر نفسه ينطبق على أجهزة الحاسوب. فالجهاز الذي يصل إلى المؤسسة لا يحقق غايته بمجرد وضعه في غرفة الإدارة أو تخزينه في خزانة. قيمته الحقيقية تبدأ عندما يتحول إلى وسيلة تساعد المدرس والتلميذ على الوصول إلى المعرفة واستخدام التكنولوجيا في التعلم.
وهنا بالضبط تظهر المسافة بين توفير الوسيلة واستخدامها، وهي مسافة ستظل من أهم تحديات الإصلاح خلال المرحلة المقبلة.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت الإدارة التعليمية خطوات مهمة في مجال الرقمنة، من بينها رقمنة الشهادات وربطها بتطبيق «هويتي»، واعتماد المعيارية في الترقيات والتحويلات عبر منصات رقمية.
وهذه الإصلاحات قد تبدو بعيدة عن الفصل الدراسي، لكنها في الحقيقة تمس الحياة اليومية للمدرس والإدارة. فالمعلم الذي كان يحتاج إلى متابعة ملف إداري عبر إجراءات طويلة يفترض أن يجد، مع الرقمنة، مساراً أكثر وضوحاً وسرعة. والموظف الذي يتقدم بطلب تحويل أو ينتظر ترقية يفترض أن يعرف على أي أساس يتم النظر في ملفه.
هنا تصبح الرقمنة أكثر من مجرد استعمال للتكنولوجيا؛ تصبح محاولة لجعل الإدارة أكثر قابلية للتوقع، وأقل اعتماداً على العلاقات الشخصية، وأكثر ارتباطاً بالمعايير.
وفي قلب هذه المرحلة تقف تجربة الوزيرة هدى باباه، التي تولت قيادة القطاع في لحظة لم يعد فيها المطلوب مجرد سد النواقص المتراكمة، وإنما تنظيم ما تم إنجازه والبناء عليه والانتقال به إلى مستوى آخر.
فهدى باباه لا تدير قطاعاً يبدأ من الصفر، بل منظومة راكمت خلال السنوات الماضية استثمارات وإصلاحات وتجارب متعددة، وأصبح التحدي أمامها هو: كيف تتحول هذه التراكمات إلى مدرسة أكثر انتظاماً، وإدارة أكثر كفاءة، وتعليم أفضل؟
ومن خلال الملفات التي تصدرت أولويات القطاع في هذه المرحلة، يبدو أن الإجابة تتجه نحو مسارات متلازمة: ضبط التسيير، ورقمنة الإدارة، وتحسين ظروف المؤسسات، ثم الانتقال تدريجياً إلى التركيز على جودة التعليم ومخرجاته.
وهذه ليست ملفات منفصلة كما قد تبدو للوهلة الأولى. فحين يحصل تلميذ في مؤسسة داخلية على بيئة مدرسية أفضل، وحين يجد المدرس أن وضعه الإداري أصبح أكثر وضوحاً، وحين تتم معالجة التحويلات والترقيات وفق معايير معلنة، وحين تتوفر للإدارة بيانات أكثر دقة عن الموظفين والمؤسسات، فإننا نتحدث عن أجزاء مختلفة من عملية واحدة.
لكن هذه العملية لا تكتمل إلا عندما تصل إلى التلميذ.
وهذا ما يجعل الحضور الميداني مهماً في تجربة هدى باباه. فالوزارة تستطيع أن تصدر قراراً من العاصمة، لكن نجاحه أو فشله قد لا يظهر إلا عندما يصل إلى مدرسة بعيدة. هناك فقط يمكن معرفة ما إذا كان التجهيز قد وصل فعلاً، وما إذا كان المدرس موجوداً، وما إذا كانت الوسيلة التعليمية تُستخدم، وما إذا كانت الإدارة قادرة على التعامل مع المشكلة اليومية.
إن الفرق بين القرار والتنفيذ قد يكون أحياناً هو الفرق بين إصلاح ينجح وإصلاح يبقى على الورق.
ومن هنا تكتسب متابعة المؤسسات والاستماع إلى الفاعلين في الميدان أهمية خاصة. فالمدير يعرف مشكلة مؤسسته بطريقة مختلفة عن الإدارة المركزية، والمدرس يرى تفاصيل لا تظهر في التقارير، والتلميذ نفسه قد يكشف، بسلوك بسيط أو نتيجة متدنية، خللاً لم تنتبه إليه الأرقام بعد.
لكن الأهم أن النقاش حول التعليم بدأ ينتقل من سؤال توفير الوسائل إلى سؤال أثرها.
خذ مثلاً مؤسسة حصلت على أجهزة حاسوب. السؤال الإداري الأول قد يكون: هل وصلت الأجهزة؟ أما السؤال التربوي الحقيقي فهو: هل استُخدمت؟ ومن يستخدمها؟ وهل استفاد منها التلاميذ؟ وهل ساعدت في تحسين التعلم؟
والشيء نفسه ينطبق على الطاقة الشمسية. وصول التجهيز خطوة أولى، لكن السؤال التالي هو: هل تعمل المنظومة بصورة منتظمة؟ وهل أصبحت المؤسسة قادرة على الاستفادة من الأجهزة التي تحتاج إلى الكهرباء؟ وهل انعكس ذلك على الحياة الدراسية؟
وهكذا يصبح لكل مشروع مرحلتان: مرحلة الإنجاز ومرحلة الأثر.
ويبدو أن المرحلة التي تقودها هدى باباه تريد، أو يفترض أن تريد، الانتقال أكثر إلى المرحلة الثانية.
فلفترة طويلة كان نجاح السياسة التعليمية يقاس، في جانب كبير منه، بعدد المدارس التي شُيدت، وعدد المدرسين الذين تم توفيرهم، وحجم المعدات التي وصلت إلى المؤسسات. أما اليوم، فإن الرهان الأكثر صعوبة هو معرفة ما إذا كانت هذه الاستثمارات قد تحولت إلى نتائج ملموسة في مستوى التلاميذ.
هل أصبح التلميذ يقرأ بصورة أفضل؟ هل يفهم ما يقرأ؟ هل يستطيع إجراء العمليات الحسابية الأساسية؟ هل يحضر بانتظام؟ وهل يجد في المدرسة ما يشجعه على الاستمرار؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها هي جوهر الإصلاح.
ولهذا كانت العبارة الواردة في الخطاب بأن نجاح الإصلاح «لا يقاس فقط بما تنجزه الوزارة، وإنما بما يتحقق داخل الفصل الدراسي» شديدة الدلالة. فهي تعني، في جوهرها، أن الوزارة مطالبة اليوم بأن تنتقل من قياس ما تفعله إلى قياس ما ينتج عنه.
وهذا تحديداً هو الامتحان الأصعب أمام هدى باباه وفريقها.
فمن السهل نسبياً أن نقول إن مدرسة جديدة بنيت، أو إن تجهيزات وصلت، أو إن منصة رقمية أطلقت. لكن الأصعب هو أن نثبت، بعد فترة، أن مستوى التلميذ تحسن، وأن الحضور المدرسي أصبح أكثر انتظاماً، وأن الفوارق بين المؤسسات والمناطق بدأت تضيق، وأن المدرس أصبح أكثر قدرة على أداء مهمته.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن مرحلة التأسيس والتوسع. إنها مرحلة النتائج.
ولا يمكن الوصول إلى النتائج من دون معلم قادر على تحويل المناهج والتجهيزات إلى تعلم حقيقي. ولذلك فإن الرسالة الموجهة إلى المدرسين والإداريين والمؤطرين بشأن الحضور والانضباط وتحمل المسؤولية تبدو جزءاً من منطق أوسع يريد إعادة الاعتبار للأداء داخل المؤسسة التعليمية.
فالمدرس الذي يدخل الفصل في موعده ويجد الوسائل الأساسية أمامه يستطيع أن يقدم درساً أفضل من مدرس يعمل في ظروف مضطربة. لكن هذا المدرس نفسه يحتاج إلى تكوين مستمر، ومواكبة مهنية، وظروف عمل مناسبة، وإدارة تستمع إلى مشاكله وتتعامل معها بجدية.
فالانضباط ضروري، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الجودة. والجودة تحتاج إلى مدرس يشعر بأنه شريك في الإصلاح، لا مجرد منفذ لتعليمات إدارية.
أما الرقمنة، فهي ربما تكون أحد أكثر الملفات التي يمكن أن تترك أثراً على طريقة تسيير القطاع.
تخيل مثلاً مدرساً يتقدم بطلب تحويل. في النظام التقليدي، يمكن أن يصبح الملف سلسلة من المراسلات والإجراءات التي يصعب على صاحبها معرفة موقعها أو معيار البت فيها. أما عندما تصبح العملية رقمية ومرتبطة بمعايير معلنة، فإن العلاقة بين الموظف والإدارة تتغير: يصبح بالإمكان تتبع الملف، وتصبح المعايير أوضح، ويضيق هامش الغموض.
الأمر نفسه ينطبق على الشهادة المدرسية. عندما تصبح الشهادة رقمية ومرتبطة بهوية صاحبها، فإن ذلك لا يسهل الإجراءات فقط، بل يحد أيضاً من مخاطر ضياع الوثائق أو صعوبة التحقق منها.
لكن نجاح الرقمنة لا يقاس بعدد المنصات التي أطلقت، وإنما بمدى شعور المدرس والموظف بأن معاملته أصبحت أسهل وأكثر عدالة وأقل استنزافاً للوقت.
بمعنى آخر، المطلوب ليس نقل الإدارة القديمة إلى شاشة، وإنما تغيير طريقة عمل الإدارة نفسها.
وهذا هو أحد الرهانات التي تجعل تجربة هدى باباه مرتبطة بصورة أكبر بمسألة الحكامة داخل قطاع التعليم.
أما المدرسة الجمهورية، التي تشكل أحد العناوين الأساسية للإصلاح، فهي في النهاية الاختبار الأكبر لكل هذه الجهود.
فالمدرسة الجمهورية لا تعني فقط أن يجلس الأطفال في الفصول نفسها، وإنما أن يحصلوا على فرص متقاربة في التعلم، مهما اختلفت مناطقهم وظروف أسرهم.
وهذا تحدٍ كبير في بلد واسع جغرافياً ومتعدد الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
فالمدرسة الجمهورية الحقيقية هي التي تمنح الطفل في العاصمة والطفل في أقصى الداخل فرصة متقاربة في الحصول على تعليم جيد، وهي التي لا تجعل مكان الميلاد حكماً مسبقاً على مستقبل الطفل.
وهنا ستكون أمام هدى باباه مهمة ليست سهلة: تحويل هذا المشروع من فكرة سياسية وتربوية إلى تجربة يعيشها التلميذ يومياً.
فحين يذهب طفل إلى مدرسة في منطقة بعيدة ويجد الماء متوفراً، والمقاعد متاحة، والمدرس حاضراً، والبيئة المدرسية لائقة، والحصة تبدأ في موعدها، فإن مفهوم المدرسة الجمهورية يصبح شيئاً ملموساً بالنسبة إليه، لا مجرد شعار.
والأسرة بدورها ليست خارج هذه المعادلة.
فالمدرسة لا تستطيع أن تقوم بكل شيء وحدها. انتظام التلميذ، ومتابعة الأسرة لدراسته، واهتمامها بحضوره وسلوكه، وتواصلها مع المؤسسة التعليمية، كلها عوامل تؤثر في النتائج.
وفي النهاية، يبقى التلميذ هو صاحب المصلحة الأول في كل هذه العملية.
من أجله تبنى المدارس، ويوظف المدرسون، وتطبع الكتب، وتشترى المعدات، وتُرقمن الإدارة، وتُرصد الميزانيات.
وهو الذي سيحمل بعد سنوات نتائج ما نفعله اليوم.
ومن هنا فإن الانتقال من سؤال «كم أنجزنا؟» إلى سؤال «ماذا حققنا؟» يمثل جوهر المرحلة الجديدة.
فالإنجازات المادية يمكن عدّها، والمشاريع يمكن الإعلان عنها، لكن التعلم الحقيقي يحتاج إلى وقت حتى يظهر.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى قياس أكثر دقة لمستوى التلاميذ، ومعرفة أسباب التعثر والانقطاع، ومقارنة النتائج بين المؤسسات والمناطق، ثم اتخاذ القرارات بناء على ما تظهره البيانات.
وهنا ستظهر القيمة الحقيقية للإصلاح الإداري والرقمنة والحكامة التي يعمل القطاع على تطويرها.
فإذا أصبحت الوزارة تمتلك معلومات دقيقة عن واقع التعليم، فإنها ستكون أكثر قدرة على معرفة أين نجح الإصلاح وأين تعثر، وأين ينبغي التدخل قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة.
هذه، في النهاية، هي ساعة الحقيقة بالنسبة إلى إصلاح التعليم.
ليس لأن ما تحقق قليل، بل لأن ما تحقق أصبح يفرض سؤالاً أكبر: هل بدأنا نرى أثره في التلميذ؟
هدى باباه أمام مرحلة لا يكفي فيها أن تُحسب المشاريع، وإنما يجب أن تُحسب النتائج أيضاً. ولا يكفي أن تكون المدرسة مفتوحة، وإنما يجب أن تكون قادرة على تعليم أبنائها. ولا يكفي أن يكون المدرس موجوداً، وإنما يجب أن يكون حضوره منتجاً. ولا تكفي الرقمنة، إذا لم تجعل الإدارة أكثر عدلاً وكفاءة.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الحكم النهائي على الإصلاح في المكاتب ولا في التقارير، وإنما في الفصل الدراسي؛ في دفتر التلميذ، وفي قدرته على القراءة والفهم والحساب والتفكير، وفي ثقته بنفسه، وفي قدرته على مواصلة طريقه بعد مغادرة المدرسة.
ومن هنا تبدو العبارة التي اختُتم بها خطاب افتتاح السنة الدراسية أكثر من مجرد خاتمة جميلة: «من المدرسة يبدأ المستقبل، وبالمدرسة نبني الإنسان، وبالإنسان نبني موريتانيا التي نريد.»
لكن المستقبل لا يبدأ عندما نبني المدرسة فقط، وإنما عندما يصبح ما يحدث داخلها قادراً على تغيير حياة التلميذ.
وهناك، في ذلك الفصل الصغير، ستظهر في النهاية الإجابة عن السؤال الذي يهم الجميع: هل نجح الإصلاح فعلاً؟.
ريم شات · Rim Chat
محادثات ومكالمات صوت وفيديو، منشورات وسوق — بالعربية أولًا. حمّله مجانًا على هاتفك.