
معاوية بن أبي سفيان… بين إنصاف التاريخ ومحاكمات الأهواء بقلم احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي
لم يعد الهجوم على الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مجرد نقاش تاريخي أو اختلاف في قراءة مرحلة من مراحل الدولة الإسلامية، بل أصبح عند بعض الكتّاب والمثقفين وسيلة لإثارة الجدل، واستثمار التراث الإسلامي في معارك فكرية وسياسية معاصرة. والمفارقة أن من يرفعون شعار العقلانية والنقد العلمي يقعون، في كثير من الأحيان، في أبعد صور الانتقائية؛ إذ ينتقون من الروايات ما يخدم موقفًا مسبقًا، ويغفلون عشرات النصوص والشهادات التي ترسم صورة أكثر اكتمالًا وعدلًا.
إن أول ما ينبغي تقريره أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه صحابي من أصحاب رسول الله ﷺ، والصحبة ليست لقبًا تاريخيًا، بل منزلة شرعية عظيمة أثبتها القرآن والسنة. وقد كان من كتّاب الوحي، وهي مهمة لا تُسند إلا لمن عُرف بالأمانة والثقة. كما دعا له النبي ﷺ بقوله: «اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهدِ به»، وهو من الأحاديث التي حسّنها عدد من أهل العلم.
وليس من المنهج العلمي أن تُمحى هذه الفضائل كلها بسبب خلاف سياسي وقع بعد وفاة النبي ﷺ، أو بسبب اجتهادات تاريخية اختلف فيها الصحابة أنفسهم. فلو طبقنا هذا المنهج على جميع الشخصيات التاريخية لما بقي في التاريخ رجل يستحق التقدير.
لقد كانت الفتنة الكبرى واحدة من أعقد المراحل في تاريخ المسلمين، وتشابكت فيها الاعتبارات السياسية والقبلية والاجتماعية، حتى عجز كبار المؤرخين عن الإحاطة بجميع تفاصيلها على وجه اليقين. ولذلك كان منهج علماء أهل السنة والجماعة قائمًا على الإمساك عما شجر بين الصحابة، والترضي عن الجميع، والاعتقاد بأنهم مجتهدون، يصيبون ويخطئون، دون أن يسقط ذلك عدالتهم ولا فضلهم.
ومن اللافت أن بعض من يهاجمون معاوية رضي الله عنه يطالبون عند تناول الشخصيات السياسية الحديثة بفهم الظروف والسياقات وعدم إصدار الأحكام خارج زمانها، لكنهم يحرمون شخصيات القرن الأول الهجري من هذا الإنصاف، ويحاكمونها بمعايير القرن الحادي والعشرين، وكأن التاريخ يمكن قراءته بمعزل عن بيئته وظروفه.
ولو تجاوزنا الجدل، ونظرنا إلى الوقائع الثابتة، لوجدنا أن معاوية كان من أنجح ولاة الدولة الإسلامية في عهد الخليفة الثاني والخليفة الثالث، وأن الشام في عهده عرفت استقرارًا إداريًا وعسكريًا كبيرًا. كما شهدت الدولة الإسلامية في فترة خلافته توسعًا ملحوظًا، وتعزز حضورها البحري، ونجحت في بناء أسطول كان له دور محوري في مواجهة الإمبراطورية البيزنطية، وهو إنجاز اعترف به مؤرخون من مختلف الاتجاهات.
أما توليه الخلافة، فلم يكن ثمرة انقلاب على إجماع الأمة كما يصور البعض، بل جاء بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما حقنًا لدماء المسلمين، وهو الحدث الذي عُرف في كتب التاريخ بعام الجماعة، لما تحقق فيه من اجتماع الكلمة بعد سنوات من الاقتتال الداخلي.
ولا يعني هذا أن كل اجتهادات معاوية رضي الله عنه كانت صوابًا، فليس في عقيدة أهل السنة أن أحدًا بعد الأنبياء معصوم من الخطأ. لكن الفرق بين النقد المنصف والطعن المتعمد فرق شاسع. فالنقد يبحث عن الحقيقة، أما الطعن فينطلق من رغبة في الإدانة مهما كانت الأدلة.
ومن المؤسف أن تتحول المنابر الإعلامية ومواقع التواصل إلى ساحات للطعن في صحابي شهد له النبي ﷺ بالصحبة، بينما يتعامل أصحابها مع شخصيات تاريخية أخرى، في الشرق والغرب، بكثير من التسامح والتفهم رغم ما ارتكبته من أخطاء موثقة. إنها ازدواجية في المعايير لا تخدم البحث العلمي، ولا تبني وعيًا تاريخيًا سليمًا.
إن احترام الصحابة ليس تعصبًا لأشخاص، بل احترام للجيل الذي حمل الرسالة، ونقل القرآن، وروى السنة، وفتح الأمصار، وبذل الأرواح في سبيل نشر الإسلام. والطعن في هذا الجيل على إطلاقه يفتح بابًا للطعن في المرحلة التأسيسية كلها، وهو ما تنبه له علماء الأمة منذ القرون الأولى.
لقد اختلف الصحابة، كما يختلف البشر، لكنهم ظلوا أصحاب السابقة والفضل، ولم يكن اختلافهم مبررًا لإسقاط مكانتهم. ومن هنا كان قول الإمام الذهبي: “لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهادٌ محَّا كثيرًا من الزلل.” كما قال الإمام : “إذا رأيت الرجل يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ بسوء، فاتهمه على الإسلام.” وهي عبارات تعكس مكانة الصحابة في التراث السني، وإن اختلفت مناهج العلماء في تفصيل بعض الوقائع التاريخية.
إن الأمة التي تنصف تاريخها لا تقدس الأشخاص، لكنها أيضًا لا تهدم الرموز المؤسسة بدافع الخصومة أو الانفعال. والإنصاف يقتضي أن يُذكر لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فضله وسابقته وإنجازاته، كما تُناقش اجتهاداته بميزان العلم والعدل، لا بمنطق التشهير والإسقاط.
ويبقى معاوية رضي الله عنه صحابيًا جليلًا، شهد عصر النبوة، وخدم الإسلام، واجتهد فيما رأى أنه الحق، وهو بين يدي الله تعالى الذي يحكم بين عباده بالعدل المطلق. أما نحن، فالأولى بنا أن نتعلم من التاريخ، لا أن نجعله وقودًا لخصومات لا تزيد الأمة إلا فرقة، وأن نلتزم أدب القرآن الكريم: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾.