
التوبة والمراجعة والعفو: ثلاثية المقاربة الموريتانية. احمد محمد حماده / كاتب و محلل سياسي .
طالعتُ على بعض مواقع التواصل الاجتماعي انتقاداتٍ لقرار رئيس الجمهورية بالعفو عن بعض سجناء السلفية الذين أعلنوا توبتهم، وأقرّوا بخطئهم، وخضعوا لمراجعات فكرية لما كانوا عليه من تطرف وغلو، وذلك بعد سلسلة من الحوارات الفكرية والدينية التي أجرتها معهم رابطة علماء موريتانيا.
وفي تقديري، فإن الاعتراض المطلق على إطلاق سراحهم، رغم هذه المعطيات، يحتاج إلى قدر من الموضوعية والتمييز بين الحالات المختلفة. إذ يستند بعض المنتقدين إلى أن حق العفو يعود حصراً إلى أولياء الدم، غير أن هذا الطرح يغفل أن لولي الأمر – في حدود ما يقرره القانون وما تقتضيه المصلحة العامة – صلاحيات مرتبطة بإدارة الشأن العام وتحقيق الأمن والاستقرار، خاصة في الملفات التي تتداخل فيها الأبعاد القضائية والأمنية والاجتماعية.
كما أن حيثيات القرار وتفاصيله ليست كلها معلنة للرأي العام، ومن غير المستبعد أن يكون قد بُني على تقديرات أمنية، وتوصيات من الجهات المختصة، ومخرجات الحوارات والمراجعات الفكرية التي أشرف عليها علماء وخبراء تابعوا هؤلاء السجناء خلال فترة طويلة.
ثم إن هذه المقاربة ليست جديدة على التجربة الموريتانية، بل تمثل خيارًا اعتمدته الدولة منذ سنوات في التعاطي مع بعض مظاهر التطرف، قائمًا على الحوار والمراجعة وإعادة الإدماج إلى جانب المقاربة الأمنية. وهي مقاربة يرى كثيرون أنها أسهمت في الحد من مخاطر التطرف، وحافظت على مستوى من الاستقرار، وأثبتت – في نظر مؤيديها – أن المعالجة الفكرية قد تكون في بعض الحالات أكثر استدامة من الاقتصار على العقوبة وحدها.
غير أن نجاح هذه المقاربة لا يعني خلوّها من التحديات أمام الدولة. فمن جهة، يبقى الرهان الأكبر هو تحقيق التوازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات إعادة الإدماج، بما يضمن ألّا يُفهم العفو باعتباره تساهلًا مع التطرف أو تراجعًا عن مبدأ المحاسبة. كما أن بناء ثقة الرأي العام، ووضع آليات واضحة للمتابعة والتقييم بعد الإفراج، كلها عناصر ضرورية حتى يحافظ هذا الخيار على شرعيته وفعاليته على المدى البعيد.
وفي المقابل، فإن نجاح أي سياسة للعفو أو إعادة الإدماج يقتضي ألّا يُنظر إليها باعتبارها تجاوزًا لآلام من فقدوا ذويهم أو تجاهلًا لمعاناة الضحايا. لذلك يبقى من الضروري أن ترافق هذه المقاربة إجراءات تُعزز العدالة المعنوية والاجتماعية، من خلال الإنصات لأسر الضحايا، وإشراكهم – ضمن ما يسمح به القانون – في مسارات المصالحة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم، وإبقاء حقوقهم محفوظة وغير منسية. فاستقرار المجتمع لا يتحقق فقط بإعادة دمج من أخطأ، بل أيضًا بإنصاف من دفع الثمن الأكبر وحفظ مكانته في الذاكرة الوطنية.
أما بالنسبة للمفرج عنهم، فإن التحدي لا يقل صعوبة؛ إذ لا يكفي إعلان التوبة أو إجراء المراجعات الفكرية، بل يبقى الامتحان الحقيقي في القدرة على الاندماج من جديد داخل المجتمع، وبناء حياة مستقرة قائمة على العمل والمسؤولية والالتزام بالقانون. كما أن تجاوز الوصم الاجتماعي، وإثبات صدقية التحول الفكري عبر السلوك والممارسة اليومية، يشكلان اختبارًا حاسمًا، لأن نجاح التجربة لا يُقاس بلحظة الإفراج، بل بما يليها من استقرار واندماج وعدم انتكاس.
إن أي مقاربة تُبنى على التوبة والمراجعة والعفو لا تُقاس فقط بعدد من أُفرج عنهم، وإنما بقدرتها على حماية المجتمع ومعالجة جذور الظاهرة ومنح فرصة حقيقية للتحول. وعندها فقط تصبح التوبة والمراجعة والعفو حلقاتٍ متكاملة ضمن رؤية وطنية تُوازن بين الأمن والرحمة، وبين هيبة الدولة وإمكانية العودة إلى المجتمع.