
مقترح “موسى فال”: فرصة المعارضة التاريخية.. هل تضيعها المكابرة؟ / بقلم بلال عالي أعمر لعبيد
شدني المقترح الذي قدِم للأطراف السياسية في البلاد، ليس فقط لأنه جاء في لحظة دقيقة من مسار الحوار الوطني، بل لما حمله من حنكة ودهاء سياسي عرف بهما صاحبه بين أقرانه من سدنة السياسة. وفي هذا المقال، أحاول قراءة هذه الوثيقة بصوت مرتفع، بوصفها قراءة شخصية قد أصيب فيها أو أخطئ، لعلي أبلغ من فهمها ما لم يدركه بعض الفرقاء السياسين، أو أكشف بعض ما تنطوي عليه من فرص قد تضيعها حسابات المكابرة والتردد.
فليس من قبيل المبالغة القول إن هذا المقترح جاء في لحظة سياسية دقيقة؛ فالساحة الوطنية تعيش منذ أشهر على وقع حراك مفصلي غير مسبوق، أعاد تحريك المياه الراكدة في مستنقع الحوار الوطني الذي ظل طويلاً يترنح بين مد التفاؤل وجزر الانسداد. ومن هنا تكتسب الوثيقة التي قدمها منسق الحوار الوطني السيد موسى فال أهميتها، إذ بدت لكثيرين محاولة جادة لإنقاذ المسار، ولآخرين مناورة سياسية محكمة، بينما أراها فرصة حقيقية قد تخسرها المعارضة إن استمرت أسيرة حسابات المكابرة والتردد.
ومن خلال القراءة المتأنية لتفاصيل هذه الوثيقة الجديدة، وطبيعة التوازنات السياسية المحيطة بها، تبدو حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن المعارضة الوطنية تقف اليوم أمام مكسب تفاوضي ثمين وفرصة تاريخية قد لا تتكرر بسهولة، مما يجعل الاستمرار في التردد بمثابة انتحار سياسي وإضاعة لقطار الإصلاح.
فالمقترح الذي قدمه المنسق ارتكز على مبدأين جوهريين غيّرا قواعد اللعبة؛ الأول هو الشجاعة البراغماتية في إلغاء محور “المأموريات الرئاسية”، وهو الملف الذي شكّل أحد أبرز نقاط الجدل في النقاشات التمهيدية للحوار، إذ تمسكت أطراف داخل الأغلبية بإدراجه ضمن جدول الأعمال، بينما أبدت أطراف أخرى تحفظات متفاوتة بشأنه. وقد مثّل استبعاد هذا المحور خطوة ذكية لتحييد ملف شديد الحساسية والتركيز على القضايا الأكثر قابلية للتوافق. أما المبدأ الثاني فتمثل في إقرار مبدأ “المناصفة والتوازن” عبر اقتراح لجنة إشراف بتمثيل متساوٍ (10 مقابل 10)، وهو تمثيل يمنح المعارضة ثقلاً تفاوضياً ويفرض آلية التوافق شرطاً أساسياً لتمرير المخرجات، بما يعكس رغبة في بناء الثقة بين مختلف الأطراف.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ نجحت الوثيقة كذلك في حصر النقاش داخل أربعة ملفات بنيوية هامة: الوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي بما يشمل ملف الإرث الإنساني، والنموذج الديمقراطي والمؤسسات، والحوكمة ومكافحة الفساد، إضافة إلى إدماج الفئات الهشة. وهي ملفات تقع جميعها في قلب الخطاب التاريخي للمعارضة، وتمنحها جدول أعمال متكاملاً للإصلاح الهيكلي.
غير أن هذا المقترح لا يمكن عزله عن “وجهة الأحقية” التي تستند إليها الأغلبية الرئاسية الداعمة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني. فالأغلبية تنطلق من أرضية دستورية وميدانية صلبة، إذ يقود الرئيس البلاد بناءً على تفويض شعبي شرعي حسمته صناديق الاقتراع، ومن ثم فإن الحوار في نظرها ليس أداة لتقاسم السلطة أو إعادة صياغة القواعد الدستورية المحصنة، بقدر ما هو منصة للاستماع وتطوير الحكامة وتحسين الأداء السياسي.
وفي هذا السياق، تُحسب للأغلبية مرونتها واستجابتها لنداء التهدئة الذي أطلقه الرئيس منذ توليه السلطة، وقبولها بالجلوس مع المعارضة على طاولة المناصفة، مدفوعة برؤية استراتيجية ترى أن التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة في منطقة الساحل وعبر الحدود تفرض على الموريتانيين تحصين الجبهة الداخلية وتجنب السجالات العميقة التي قد تشتت جهود التنمية ومواجهة الفقر وبناء دولة المواطنة.
ومع ذلك، وإذا كانت المعارضة قد حققت عبر هذا المقترح جل مطالبها الرئيسية في الشراكة وضمانات الشفافية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا يبدو موقفها متسماً بالتردد؟ والحقيقة أن المعارضة ما تزال محكومة بعقدة التجارب السابقة؛ فإرث الحوارات الشكلية في العقود الماضية خلق أزمة ثقة مزمنة تجاه وعود السلطة، وتخوفاً مشروعاً من غياب الضمانات الإجرائية لتحويل التوصيات إلى قوانين ملزمة ومحصنة. كما تلعب المزايدات الداخلية بين أطياف المعارضة، الإسلامية واليسارية والحقوقية، دوراً في دفع بعض القادة إلى التشدد خوفاً من اتهام قواعدهم الشعبية لهم بالمهادنة أو تقديم تنازلات مجانية.
لكن السياسة، في نهاية المطاف، هي فن الممكن، والذكاء التفاوضي يكمن في معرفة متى ينتقل الفاعل السياسي من مربع الاحتجاج إلى مربع الشراكة وتحصين المكتسبات. ولذلك فإن رفض هذا المقترح أو التسبب في عرقلته بذريعة السعي وراء سقف مطالب تعجيزية سيعود على المعارضة بخسارة مزدوجة؛ فهو من جهة سيمنح الأغلبية والشركاء الدوليين الذريعة الكاملة لتحميلها مسؤولية الفشل، ومن جهة أخرى سيدفع النظام إلى المضي قدماً في مشاريعه وإصلاحاته الانتخابية والسياسية بشكل أحادي عبر أغلبيته المريحة في البرلمان، مما يفقد المعارضة أي سلطة تأثير حقيقية على صياغة مستقبل الاستحقاقات القادمة.
ومن هذا المنظور، تبدو الواقعية السياسية واضحة في أن مقترح موسى فال الأخير قد رمى بالكرة في مرمى الجميع، لكنه مال بوضوح لصالح شروط المعارضة. ويعزز هذا الاستنتاج ما تشير إليه بعض المؤشرات الأخيرة من امتعاض وتريث داخل أوساط الموالاة نفسها تجاه الوثيقة، إذ ترى بعض أجنحتها أنها قدمت تنازلات واسعة للمعارضة، لاسيما في ملفات الإرث الإنساني والمناصفة.
وهذا الامتعاض من طرف الموالاة قد يكون الدليل الأبرز على أن المعارضة حققت انتصاراً سياسياً ودبلوماسياً داخل غرف التفاوض. وعليها اليوم أن تتخلى عن حذرها المفرط ومكابرتها، وأن تبادر إلى التقاط هذه اللحظة السانحة بمرونة وذكاء؛ فالاستمرار في التردد قد يفرغ المبادرة من محتواها ويدفع قوى الأغلبية المتشددة إلى سحب العرض، وحينها لن تجد المعارضة سوى مقاعد المتفرجين في مشهد يُصاغ في غيابها، وتتحمل أمام الرأي العام الوطني مسؤولية إضاعة فرصة إصلاحية وطنية قد لا تجود بمثلها الأيام القريبة القادمة.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ستتعامل المعارضة مع مقترح منسق الحوار باعتباره فرصة تاريخية لتعزيز حضورها والتأثير في مستقبل البلاد، أم ستختار البقاء أسيرة هواجس الماضي وحسابات اللحظة؟
وهل تكفي المكابرة وحدها لصناعة البديل السياسي، أم أن الجرأة على اقتناص الفرص هي التي تصنع الفارق في لحظات التحول الكبرى؟
السلام عليكم.