
قيادة تستشرف المستقبل.. قراءة في دلالات مشاركة قائد الأركان في يوروساتوري. احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي .
ليست كل المشاركات الخارجية أخبارًا عابرة تُقرأ ثم تُنسى، فبعضها يحمل بين سطوره رسائل تتجاوز الصورة والبروتوكول. ومن هذا الباب يمكن قراءة مشاركة قائد الأركان العامة للجيوش في معرض «يوروساتوري» الدولي للدفاع والأمن، أحد أهم المواعيد العالمية التي تُعرض فيها ملامح الجيوش كما ستكون لا كما كانت.
فالمعارض العسكرية الكبرى لم تعد مجرد فضاءات لعرض المدرعات والتقنيات الحديثة أو توقيع الصفقات، بل أصبحت مختبرات مفتوحة للأفكار والرؤى، تلتقي فيها الخبرة بالتكنولوجيا، وتُقاس فيها قدرة المؤسسات العسكرية على فهم اتجاه العالم واستيعاب ما ينتجه من تحولات.
واللافت في المشاركة الموريتانية أنها لم تحمل طابع الحضور الشكلي، بل أوحت ــ على الأقل من خلال طبيعة الوفد المرافق ــ بوجود اهتمام يتجاوز المجاملة الدبلوماسية إلى منطق الاطلاع والمتابعة وبناء التصور. فحين يضم الوفد مسؤولين عن العتاد والتكوين والتنسيق المؤسسي، فإن الرسالة تبدو أوضح: تحديث الجيوش لم يعد قرار شراء، بل مشروع بناء متكامل يبدأ من الرؤية ولا ينتهي عند الوسيلة.
ومنذ وصول اللواء محمد فال ولد الرايس إلى قيادة الأركان، يلحظ المتابع نوعًا من الحركية الهادئة داخل المؤسسة العسكرية؛ حركية لا تقوم على الضجيج ولا على الشعارات الكبيرة، بل على خطوات متدرجة عنوانها الانفتاح، والبحث، وتوسيع مساحات الاطلاع، وربط التطوير بالاحتياجات الحقيقية للمؤسسة.
وربما أكثر ما يلفت في هذا المسار أنه يقوم على فكرة تبدو بديهية لكنها عميقة الأثر: الجيوش الحديثة لا تُبنى فقط بما تملكه من معدات، وإنما بما تملكه من قدرة على التوقع، وحسن قراءة المستقبل، والاستعداد لما لم يقع بعد.
ولهذا لا تبدو المشاركة في مثل هذه المعارض تفصيلًا ثانويًا، بل جزءًا من فلسفة أوسع ترى أن بناء القوة يبدأ من المعرفة، وأن الاطلاع على التجارب والخبرات الدولية ليس ترفًا، بل شرطًا من شروط الجاهزية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن نجاح أي رؤية لا يُقاس بالصور ولا بعدد الزيارات، وإنما بما يتركه الزمن من أثر داخل المؤسسة: في مستوى الجاهزية، وفي جودة التكوين، وفي قدرة الجيش على أداء مهامه بكفاءة واحتراف.
إن حضور موريتانيا في مثل هذه المحافل الدولية يعطي انطباعًا بأن المؤسسة العسكرية تسعى لأن تكون جزءًا من حركة العالم لا على هامشها، وأن تراكم المعرفة والخبرة والتخطيط يظل الطريق الأقصر نحو جيش أكثر جاهزية وثقة بالمستقبل.