
العلماء والسياسة في موريتانيا.. بين واجب التوجيه وضرورة الحفاظ على المرجعية الجامعة. احمد محمد حماده/كاتب و محلل سياسي
عرف المجتمع الموريتاني، عبر تاريخه الطويل، حضورًا مميزًا للعلم والعلماء، حتى أصبح هذا الحضور جزءًا من صورته وهويته الثقافية والاجتماعية. ولم يكن العالم في المخيال الموريتاني مجرد ناقل للمعرفة أو صاحب وظيفة دينية، بل كان مرجعًا تُطلب عنده النصيحة، وتُعرض عليه الخصومات، ويُستأنس برأيه في القضايا العامة والخاصة، وتُستمد من حضوره معاني الاعتدال والتوازن.
وقد تشكلت هذه المكانة عبر عقود طويلة من الاستقلال النسبي عن دوائر النفوذ، ومن المحافظة على مسافة تسمح للعالم بأن يكون قريبًا من الجميع دون أن يُحسب بالكامل على أحد. ولهذا ظلت كلمة العالم تحظى بدرجة من الاحترام تتجاوز الانتماءات الاجتماعية والسياسية، لأن الناس كانوا يرون فيه من يعبّر عن المبادئ أكثر مما يعبر عن المواقع.
لكن التحولات التي شهدها المجال العام في موريتانيا خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من اتساع دائرة المشاركة السياسية، وظهور وسائل الإعلام الجديدة، وتزايد تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، جعلت العلاقة بين العلماء والسياسة أكثر تعقيدًا وأكثر عرضة للنقاش. وأصبح السؤال مطروحًا بصورة متكررة: ما حدود حضور العلماء في المجال السياسي؟ وكيف يمكن الجمع بين حقهم في المشاركة كمواطنين وبين الحفاظ على المكانة العلمية الجامعة؟
من حيث الأصل، لا يمكن تصور عالم معزول عن قضايا مجتمعه أو منفصل عن هموم الناس وتحديات الدولة. فالقيام بوظيفة التوجيه والإصلاح يقتضي الاطلاع على الشأن العام والتفاعل معه وإبداء الرأي فيه. كما أن التاريخ الإسلامي والموريتاني معًا يقدمان نماذج كثيرة لعلماء كان لهم أثر في الحياة العامة، سواء بالنصح أو الوساطة أو ترشيد القرار.
غير أن الإشكال لا يبدأ من المشاركة في الشأن العام، بل من طبيعة هذه المشاركة وحدودها.
فالسياسة مجال تحكمه اعتبارات متعددة؛ فيها التنافس، والتفاوض، والموازنة بين المصالح، والقبول أحيانًا بما هو ممكن لا بما هو مثالي، وفيها أيضًا تبدل التحالفات وتغير الظروف. وهي إكراهات قد تكون مفهومة داخل العمل السياسي ذاته، لكنها تختلف عن طبيعة الوظيفة العلمية التي تقوم أساسًا على الثبات على المعايير والقيم وعلى الاحتفاظ بموقع يسمح بالنقد والتقويم والتوجيه.
ومن هنا تبدو الحاجة إلى التمييز بين العالم الذي يوجّه السياسة والعالم الذي يدخل في تفاصيل التنافس السياسي.
فحين يحافظ العلماء على موقعهم المرجعي، يصبح السياسيون – مهما اختلفت اتجاهاتهم – أكثر استعدادًا للاستماع إليهم والاستفادة من علمهم ونصحهم. أما حين يتحول العالم إلى طرف واضح في الاستقطاب، أو يعلن تأييدًا مباشرًا لمرشح ضد آخر، أو يمنح تزكيات شخصية يجري توظيفها في الصراع السياسي، فإن صورته العامة قد تتغير من مرجعية مشتركة إلى موقع ضمن خارطة التنافس.
وفي الواقع الموريتاني تحديدًا، حيث ما تزال الروابط الاجتماعية قوية، وحيث تتداخل الاعتبارات السياسية والاجتماعية والرمزية، فإن أي تموضع علني للعالم داخل معركة سياسية قد يُقرأ باعتباره اصطفافًا يتجاوز الرأي إلى التأثير الرمزي. وهنا تظهر الحاجة إلى قدر كبير من الحكمة؛ لأن المجتمع لا ينتظر من العلماء فقط أن يقولوا لمن يصوت، بل ينتظر منهم أن يرسخوا قيم العدل والإنصاف واحترام المؤسسات وتغليب المصلحة العامة.
كما أن الحفاظ على المسافة من الاستقطاب لا يعني الحياد الأخلاقي أو الصمت أمام الأخطاء، بل قد يكون العكس هو الصحيح؛ إذ يستطيع العالم وهو محافظ على استقلاله أن يكون أكثر قدرة على النصح والنقد والإصلاح، لأن كلمته لا تُفهم باعتبارها دفاعًا عن موقع سياسي أو خصومة مع آخر.
وإذا كان السياسي يكتسب شرعيته من التأييد الشعبي والبرامج والنتائج، فإن العالم يكتسب تأثيره من الثقة العامة ومن شعور الناس أنه ينصح للجميع ولا يتحدث باسم فريق دون آخر. وهذه الثقة هي رأس مال رمزي ثمين، كلما استُخدم بحذر بقي أثره ممتدًا، وكلما دخل في تفاصيل المنافسة السياسية تعرض للتآكل.
إن الحاجة اليوم في موريتانيا ليست إلى إبعاد العلماء عن المجال العام، ولا إلى مطالبتهم باعتزال المجتمع، وإنما إلى تعزيز دورهم كمرجعية أخلاقية وفكرية جامعة، تُسهم في تهدئة الاستقطاب، وتقريب وجهات النظر، وتوجيه الخطاب العام نحو أولويات التنمية والاستقرار والعدالة.
فالمجتمعات التي تحافظ على استقلال مرجعياتها العلمية تضمن لنفسها مساحة للحوار فوق الخلافات، ومكانًا يعود إليه الجميع عند اشتداد التنافس. وربما كانت هذه إحدى أهم الوظائف التي يحتاجها الواقع الموريتاني اليوم: علماء يحافظون على مكانتهم الجامعة، وسياسيون يستفيدون من نصحهم دون أن يزجوا بهم في تفاصيل الاصطفاف والمنافسة.
المصدر:الكاتب