الأمن الغذائي ركيزة الأمن الوطني/محمد يحي ولد الكصري

تزداد مكانة رئيس الجمهورية لدى الشعب والنخب كلما التقاهم، ويتضح يوماً بعد يوم حسن نية فخامته وحرصه على تحسين أحوال البلد. لكن هل يتمتع جميع المسؤولين بالمستوى نفسه من الوطنية والنضج الذي منحه الله لصاحب الفخامة، خاصة في ظرفية إقليمية ودولية حساسة يدرك الجميع فيها أن الأمن الغذائي ركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني؟

فإذا كان قادة الأحزاب السياسية، ومن بينهم أساتذة جامعيون وميسورو الحال مادياً، يستنكرون على رئاسة الجمهورية أنهم جلسوا تسع ساعات دون أن يشربوا كأس شاي، ويتذمرون من ذلك، رغم أن فخامة الرئيس وفريقه لم يشربوا الشاي أمامهم ولم يستأثروا لأنفسهم بمشروب خاص دون ضيوفهم من المعارضة، ومع ذلك لم يجد بعض قادة الأحزاب ما يعبرون به عن استيائهم سوى التذمر الشديد من غياب الشاي لبضع ساعات فقط، فكيف سيكون حال مواطنين يرون ويسمعون عن أرقام فلكية تُصرفها مفوضية الأمن الغذائي ومندوبية “التآزر” دعماً للفقراء والمحتاجين، بينما يوجد بينهم من يتضور جوعاً ويكاد يموت عطشاً، وتلفحه حرارة الشمس وتقاسيه عواصف الحر والبرد؟

ما الحالة الشعورية التي تجتاح هؤلاء؟ ألن يولد ذلك حالة من السخط والإحباط قد تصل إلى حد الاحتقان؟ خاصة عندما يشاهدون أشخاصاً لا يملكون صفة أو ميزة أو مهارة استثنائية، يتصرفون في المال العام، ويركبون أفخم السيارات، ويقتنون القصور الفارهة، ويصبحون في لحظات ومن دون جهد من أصحاب الثروات الطائلة؟

إن كثيراً من المواطنين لا يريدون السيارات الفارهة، ولا الملابس الثمينة، ولا الساعات والأحذية الفاخرة، ولا يسألون عن أحدث الهواتف، ولا يحلمون برحلات إلى جزر المالديف، ولا يعرفون معنى اليخوت والبواخر ولا شكلها، ولا يخطر ببالهم أن يلعب أطفالهم في المنتزهات أو أن يستقلوا الطائرات. إن كل ما يحلمون به هو طعام يسد الرمق، ومأوى يجمع شملهم ويحفظ كرامتهم.

في مثل هذه الحالة، ألا يتعين على الدولة تشديد الرقابة والتفتيش على هذين القطاعين الكبيرين اللذين يستحوذان على ميزانيات تفوق ميزانيات عدة وزارات سيادية؟ أليس الأجدر أن يتولى المسؤولية فيهما أشخاص بعيدون كل البعد عن الاستقطاب السياسي والتخندق داخل لوبيات الفساد العابرة للأنظمة والمتجاوزة لحدود الزمان والمكان؟

لذلك، فإنني أطالب فخامة رئيس الجمهورية، والوزارة الأولى، ومعالي الوزير الأول المختار ولد أجاي، بتشديد التفتيش وإرسال فرق مستقلة ونزيهة لجمع المعلومات حول تسيير هذين المرفقين، وطريقة منح الصفقات فيهما، وآليات استهداف المستفيدين، وطبيعة التعامل معهم، وحجم الإنفاق ومدى مطابقته للمعايير المطلوبة، خاصة في مفوضية الأمن الغذائي.

وفي هذا الصدد، فإنني، وكثيرين غيري، نملك معطيات مهمة قد تفيد في تعزيز الشفافية، ونحن مستعدون للإدلاء بها بما يخدم المصلحة العامة.

كما نتمنى ألا تقف العلاقات الشخصية والروابط الاجتماعية سداً أمام محاربة الفساد، وألا تتحول إلى ملاذ يتكئ عليه المفسدون، لأن ذلك يزرع الخيبة في نفوس المواطنين الذين انتخبوا برنامجاً جعل من رعاية المواطن وإشراكه وحمايته من تغول الفساد والمفسدين أحد أبرز

زر الذهاب إلى الأعلى