
حين يكتمل الإستعداد و يتأخر النداء/ الدكتور محمد محمود البشير.
ليس الوطنُ عند الإنسان رقعةً تُقاس بحدودها، بل أفقٌ يتّسع بقدر ما يسكبه فيه من معنى؛ هو ذاك الانتماء الذي لا يكتمل بالشعور وحده، بل يطلب من صاحبه أن يترجمه فعلًا، وأن يودع فيه خلاصة ما تعلّمه. وكأنّ المرء، حين يُحسن إعداد نفسه، إنما يُعدّها—في وجهٍ خفيّ—ليكون أصلحَ لوطنه. لذلك لا يكون العطاء للوطن تفضّلًا، بل استجابةً لنداءٍ عميق، يرى فيه الإنسان جهده الخاص جزءًا من حكايةٍ أكبر، حكايةٍ لا يطلب فيها موقعًا بقدر ما يطلب أن يجد لنفسه موضعًا يليق بما يحمل.
ومن هنا، قد يكون من النافع—حين يُنظر في شؤون الناس—أن يُلتفت إلى تلك الطاقات التي نمت في صمت، واكتملت بعيدًا عن الأضواء، لا لأنها زهدت في الحضور، بل لأنها آمنت بأن العمل أسبق من الظهور. فثمّة من أعدّوا أنفسهم لسنين طويلة، لا طلبًا لمقام، بل استعدادًا له؛ وحين لاح في الأفق ما يلتقي مع قناعاتهم، انخرطوا فيه عن إيمان، لا عن مجاملة، وظنّوا أن الطريق—وإن طال—يفضي إلى موضعٍ يستقر فيه الجهد.
غير أن ما يحدث أحيانًا يشي بأن المسافة بين الكفاءة وموقعها ليست دائمًا على قدر الاستحقاق وحده؛ إذ يبقى بعض أصحاب الجهد واقفين على العتبات، لا لعجزٍ فيهم، ولا لنقصٍ فيما يحملون، بل لاعتباراتٍ أخرى، قد لا تُرى، ولكن آثارها تُدرك. وليس في هذا القول اتهامٌ لأحد، فإدارة الشأن العام أعقد من أن تُختزل في سببٍ واحد، غير أن ما يظلّ جديرًا بالتأمل هو هذا الفارق الصامت بين ما تتيحه الإمكانات، وما يتحقق منها في الواقع.
ولعلّ في الإصغاء إلى هذه الفئة—وهم كثير—ما يفتح أبوابًا كانت موصدة دون حاجة؛ فالكفاءة، إذا وجدت موضعها، لا تضيف إلى صاحبها وحده، بل تُعيد توزيع الحيوية في جسد الوطن كلّه. أما إذا طال وقوفها خارج الفعل، فإن الخسارة لا تكون فردية، بل تمتدّ خفيةً إلى بطء الإنجاز، وتأخر الثمر.
وقد يكون من الحكمة، في مثل هذه المواطن، أن يُنظر إلى الولاء لا بوصفه موقفًا عابرًا، بل طاقةً قابلة للتحول إلى عملٍ منتج، إذا وُضعت في سياقها الصحيح. فليس المطلوب أن يُكافأ الناس على ما يشعرون به، بل أن يُتاح لهم أن يُترجموا هذا الشعور أثرًا يُرى، وعطاءً يُقاس.
إن الأوطان التي تُحسن ترتيب طاقاتها، لا تبحث عن مواردها في البعيد، بل تكتشفها في القريب؛ تضع كلَّ شيءٍ في موضعه، لا إرضاءً لأحد، بل اتساقًا مع ما تقتضيه المصلحة العامة. وفي ذلك، لا يكون الإنصاف تفضّلًا، بل شرطًا من شروط النهوض.
ولعلّ أكثر ما يُرجى، أن يُعاد النظر في هذا الصمت الطويل: أن يُلتفت إلى من وقفوا على العتبات زمنًا، لا لأنهم دون الباب، بل لأن الباب لم يُفتح لهم بعد. فإذا استُدعي كلُّ صاحب جهدٍ إلى موضعه، استقام شيءٌ عميق في معنى الوطن؛ إذ لا يبقى فيه العطاء معلّقًا، ولا يتأخر فيه المقام عن أهله