موريتانيا: بيان عسكري في قلب معركة المعلومات. بقلم احمد محمد حماده كاتب و محلل سياسي

انواكشوط – في سياق إقليمي يتسم بعدم الاستقرار، خصوصاً على طول الحدود مع مالي، لا يقتصر البيان الأخير الصادر عن الأركان العامة للجيوش الموريتانية على مجرد نفي بسيط، بل يندرج ضمن ديناميكية أوسع أصبحت فيها الاتصالات أداة استراتيجية قائمة بذاتها.

يندد البيان بتداول «معلومات غير دقيقة ومضللة» عبر المنصات الرقمية. ولا يُعد هذا الاختيار اللغوي اعتباطياً؛ إذ إن الإشارة إلى نشر «متعمد» و«محاولة واضحة للتضليل» توحي بأن هذه المضامين لا تندرج فقط ضمن الشائعات العفوية، بل قد تكون جزءاً من مقاربات أكثر تنظيماً. وفي بيئة تلعب فيها شبكات التواصل الاجتماعي دوراً متزايداً في تشكيل الرأي العام، تعكس هذه المواقف وعياً متنامياً بما يسميه بعض المحللين «الفضاء المعلوماتي».

يرتكز أحد المحاور الأساسية للبيان على التأكيد على «السيطرة التامة والدائمة» على كامل التراب الوطني، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق الحدودية. فعلى الصعيد الداخلي، يهدف هذا الخطاب إلى طمأنة الرأي العام في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي. أما على الصعيد الخارجي، فيمثل رسالة موجهة إلى الشركاء والمراقبين الدوليين مفادها أن الدولة قادرة على ضمان استقرارها ضمن فضاء ساحلي يتسم بالتقلب. غير أن هذا النوع من التأكيدات يندرج أيضاً ضمن الأسلوب التقليدي للتواصل الرسمي، حيث يتجاوز الهدف مجرد وصف الواقع ليصل إلى ترسيخ صورة التحكم والسيادة.

يشير البيان كذلك إلى «حالة يقظة مرتفعة» و«تعبئة كاملة» للقوات المسلحة. ومن دون تحديد تهديد بعينه، يندرج هذا الطرح ضمن استراتيجية ردع غير مباشر. ويتيح هذا الأسلوب توجيه رسالة إلى عدة أطراف محتملة — سواء جماعات مسلحة أو شبكات إجرامية — مع الحفاظ على قدر من الغموض الاستراتيجي. وفي هذا السياق، يصبح الخطاب أداة من أدوات الأمن، لا تقل أهمية عن الوسائل العسكرية.
إلى جانب البعد الأمني، يحذر البيان من نشر «معلومات لا أساس لها»، معتبراً أنها قد تخلّ بالنظام العام وتضر بالمصالح العليا للدولة. وتطرح هذه المقاربة تساؤلاً محورياً: كيف يمكن التوفيق بين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير؟ في ظل التسارع الكبير في تداول المعلومات، تبرز هذه الإشكالية كأحد التحديات الأساسية أمام العديد من الدول، وليس موريتانيا وحدها.

في المحصلة، يؤدي البيان عدة وظائف: نفي رواية متداولة، طمأنة الرأي العام، وبعث رسائل ردع إلى الخارج. ورغم ما يتسم به من وضوح وتماسك، فإن فعاليته على المدى البعيد ستظل رهينة بمدى توافقه مع الواقع الميداني، وكذلك بمستوى الثقة بين المؤسسات والمواطنين. في عالم تتداخل فيه المعلومات مع الاستراتيجية، بات التحكم في السردية عاملاً حاسماً في معادلة الأمن الوطني.

زر الذهاب إلى الأعلى