تعليق على مقال للإعلامية جميلة اخليفه اطّلعتُ عليه عبر صفحتها. بقلم احمد محمد حماده

تعليق على مقال للإعلامية جميلة اخليفه اطّلعتُ عليه عبر صفحتها.
بقلم احمد محمد حماده

اطّلعتُ عبر الصفحة الشخصية للإعلامية جميلة اخليفه على مقالها الموسوم بـ “ألي صبر يلحكو الظل”، وهو نصّ يختزل تجربة سياسية وإنسانية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لما يحمله من صدق في الطرح وعمق في الدلالة.

فما كتبته لا يندرج في خانة العتب الشخصي الضيق، بل يتجاوز ذلك ليكشف خللًا بنيويًا في الممارسة السياسية، حيث تُستثمر الطاقات خلال لحظات الحشد، ثم يُعاد توزيع الأدوار بعد الوصول إلى مواقع القرار وفق منطق لا يعكس بالضرورة حجم العطاء ولا صدق الالتزام.

إن الحديث عن “تنكر” البعض ليس مجرد توصيف عاطفي، بل هو تعبير عن أزمة في ثقافة الاعتراف داخل المجال العام. فحين تغيب هذه الثقافة، يفقد العمل السياسي أحد أهم شروط استمراريته: الثقة. والثقة هنا ليست شعارًا، بل رصيد يُبنى بالتقدير، ويُهدم بالتجاهل.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تقدير التضحيات السياسية، خاصة تلك التي تقدمها النساء، بوصفها ركيزة أساسية لأي ممارسة سياسية متوازنة وعادلة. فالمرأة، ولا سيما الإعلامية المتميزة، لا تكتفي بنقل الحدث أو التعليق عليه، بل تتحمل أعباء مزدوجة تجمع بين العمل المهني والانخراط في الفعل العام، وغالبًا ما تدفع ثمن مواقفها من سمعتها وجهدها واستقرارها. إن تجاهل هذا النوع من العطاء لا يمثل فقط إجحافًا بحق الأفراد، بل يُضعف أيضًا حضور الكفاءات النسائية داخل المجال السياسي والإعلامي، ويحرم المجتمع من طاقات قادرة على الإسهام في بناء رأي عام ناضج ومسؤول. ومن هنا، فإن الاعتراف بهذه التضحيات وتثمينها ليس مجرد لفتة أخلاقية، بل هو استثمار في تعزيز الثقة، وترسيخ ثقافة الإنصاف، وتشجيع نماذج نسائية قادرة على الإبداع والتأثير في مسار الشأن العام.

وفي هذا السياق، تكتسب تجربة الكاتبة قيمة مضاعفة، لأنها تضيء على ما يمكن تسميته “السياسة الصامتة”، أي تلك التي تُمارس بعيدًا عن الأضواء، حيث تُبذل الجهود في الإقناع، والتنظيم، وبناء التحالفات، دون أن يواكبها حضور مماثل في لحظة اقتسام المسؤوليات. وهذه مفارقة لا تخص فردًا بعينه، بل تعكس واقعًا تعيشه فئات واسعة من الفاعلين، وفي مقدمتهم النساء.

وفي سياق متصل، تظلّ المرأة الموريتانية، رغم ما تحقق من مكاسب، بحاجة إلى مزيد من توسيع دائرة الفرص المتاحة لها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية. فالحضور النسائي، وإن كان ملحوظًا في بعض المواقع، لا يزال دون المستوى الذي يعكس حجم الكفاءة والقدرة الكامنة. وهذا النقص لا يمكن اعتباره مسألة إنصاف فقط، بل هو قضية تنموية بامتياز؛ إذ إن إقصاء أو تهميش نصف المجتمع، بشكل مباشر أو غير مباشر، يُضعف من دينامية الإنتاج والإبداع، ويحدّ من إمكانات التقدم الشامل. ومن ثمّ، فإن تمكين المرأة ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات التنمية الحديثة، التي تقوم أساسًا على استثمار جميع الطاقات دون استثناء.

فالإشارة إلى عطاء المرأة ليست مجاملة، بل توصيف لواقع ملموس، حيث تتحمل النساء أعباءً مضاعفة داخل العمل السياسي، ومع ذلك لا يجدن دائمًا موقعهن الطبيعي في مراكز القرار. ومن هنا، فإن ما كتبته جميلة اخليفه يكتسب بعدًا يتجاوز التجربة الفردية ليصبح صوتًا يعبر عن اختلال في ميزان التمثيل والإنصاف.

أما عبارة “ألي صبر يلحكو الظل”، فهي ليست مجرد حكمة شعبية تُستدعى للتعزية، بل تعبير عن فلسفة صبر واعٍ، صبر لا ينفي الإحساس بالغبن، لكنه يؤمن بأن الزمن كفيل بإعادة التوازن. وهو في هذا المعنى ليس استسلامًا، بل ثبات على قناعة بأن ما بُني بصدق لا يضيع، حتى وإن تأخر الاعتراف به.

إن قوة هذا الخطاب تكمن في توازنه بين الصمت والكلام؛ فهو لا يسعى إلى التصعيد بقدر ما يسعى إلى التذكير، ولا إلى القطيعة بقدر ما يدعو إلى تصحيح المسار. وهي مقاربة نادرة في سياق يغلب عليه التوتر وردود الفعل السريعة.

وفي العمق، يضعنا هذا النص أمام مسؤولية جماعية: مسؤولية إعادة الاعتبار لقيم الوفاء، والاعتراف، والإنصاف داخل الممارسة السياسية. فالدول لا تُبنى فقط بالبرامج والسياسات، بل أيضًا بالأخلاق التي تحكم العلاقات بين الفاعلين.

إن دعم ما ذهبت إليه الكاتبة لا يعني الانحياز لشخصها، بل الانحياز لفكرة أوسع: أن السياسة التي لا تعترف بتضحيات أبنائها وبناتها، تفقد جزءًا من مشروعيتها، وأن الإنصاف ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا من شروط بناء الثقة واستدامة العمل العام.

وفي الختام، سيدتي جميلة اخليفه، ما عبّرتِ عنه ليس مجرد موقف عابر، بل هو شهادة تحمل قيمة في ميزان التجربة السياسية، ودليل على أن العطاء الصادق لا يضيع، حتى وإن تأخر الاعتراف به. إن ما قدمتِه، وما تتحملينه من صبر وثبات، يضعكِ في موقع لا تصنعه المناصب بقدر ما تصنعه المواقف.

فلا تجعلي خيبات اللحظة تحجب عنكِ وضوح المسار، ولا تنالي من قناعتكِ بأن ما يُبنى بصدق يبقى أثره، ولو تغيّر المشهد من حوله. فالتاريخ السياسي لا يُنصف دائمًا في وقته، لكنه لا ينسى من صنعوا مراحله بصمت وإخلاص.

واصلي، لا انتظارًا لظلٍّ يأتي، بل لأنكِ من أولئك الذين يصنعون الظلال حين تشتدّ الشمس… ومن يملكون القدرة على تحويل الصبر إلى حضور، والتجربة إلى قوة، والوفاء إلى موقف لا يُساوَم.

 

زر الذهاب إلى الأعلى