
حين يُستهدف الصحفيون: استشهاد آمال خليل وإصابة زميلتها زينب في غارة للاحتلال جنوب لبنان
في مشهد يعكس قسوة الحرب وتغوّلها على كل ما هو إنساني،سقطت الصحفية اللبنانية آمال خليل شهيدة، فيما أُصيبت زميلتها زينب فرج، وترقد حاليًا في العناية المركزة،إثر غارة للاحتلال الإسرائيلي استهدفت منزلاً في بلدة الطيري جنوبي لبنان. لم تكن الضربة مجرد حادث عابر في سياق التصعيد، بل حملت في طياتها رسالة خطيرة مفادها أن الكلمة باتت هدفاً، وأن الصحفيين لم يعودوا بمنأى عن نيران المعارك.
آمال خليل، التي عُرفت بتغطياتها الميدانية من الجنوب، لم تكن تحمل سلاحاً سوى قلمها وعدستها. كانت تنقل الصورة كما هي، توثق الألم، وتروي حكايات الناس تحت القصف. لكن هذه المرة، أصبحت هي القصة، وتحولت من شاهدة على الحدث إلى ضحية له، في استهداف وصفته الأوساط اللبنانية بـ”المتعمد”.
أما زميلتها زينب، التي نجت من الموت بأعجوبة، فتمثل اليوم صوتاً جريحاً للصحافة. إصابتها ليست فقط جسدية، بل تختزن صدمة مهنية وإنسانية عميقة، تعكس حجم المخاطر التي باتت تلاحق الإعلاميين في مناطق النزاع، حيث لا تمييز بين مدني وصحفي.
الروايات الواردة من الميدان تشير إلى أن الاستهداف لم يكن وليد لحظة، بل جاء بعد ملاحقة، حيث تم قصف السيارة التي كانت تقل الصحفيتين، قبل أن تُستهدف المنطقة التي لجأتا إليها. هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول طبيعة العمليات العسكرية، ومدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، الذي يضمن حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين.
الإدانات الرسمية لم تتأخر، إذ وصف رئيس الحكومة اللبنانية ما حدث بأنه “جريمة حرب موصوفة”، مؤكداً أن استهداف الصحفيين لم يعد حوادث معزولة، بل بات نمطاً مقلقاً. كما شدد على أن لبنان سيسعى لملاحقة هذه الانتهاكات في المحافل الدولية، في محاولة لوضع حد لهذا المسار الخطير.
لكن، بعيداً عن البيانات، يبقى السؤال الأهم: من يحمي الصحفيين في زمن الحروب؟
فالقوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، تنص بوضوح على ضرورة حماية الإعلاميين أثناء أداء مهامهم. غير أن الواقع الميداني يكشف فجوة واسعة بين النص والتطبيق، حيث تتحول الكاميرا إلى هدف، والصحفي إلى رقم جديد في قائمة الضحايا.
استشهاد آمال خليل وإصابة زميلتها زينب ليسا مجرد خبرين في نشرات الأخبار، بل هما جرس إنذار جديد. إنهما دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لحرية الصحافة، ولحماية من يخاطرون بحياتهم لنقل الحقيقة. ففي غياب الصحفيين، تصبح الحروب أكثر ظلمة، وتُكتب الروايات بوجه واحد فقط.
لقد دفعت آمال حياتها ثمناً للحقيقة، فيما تواصل زينب معركتها مع الألم. وبينهما، تقف الصحافة على خط النار، شاهدةً على زمنٍ تُستهدف فيه الكلمة كما يُستهدف الإنسان.
وما بين هذا الدم المسفوك وصوت الكاميرات التي لم تنطفئ، تتجدد مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الصحفيين، ليس فقط عبر بيانات الإدانة، بل من خلال إجراءات ملموسة تضع حداً للإفلات من العقاب. فاستمرار استهداف الإعلاميين دون محاسبة لا يهدد الأفراد فحسب، بل يقوّض حق العالم في المعرفة، ويجعل الحقيقة نفسها ضحية أخرى في ساحات الحرب
بقلم:تماد إسلم أيديه