الإشارة الاستراتيجية ل”كاليسيا” بقلم: احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي.

لا يمكن اختزال رسوّ السفينة الحربية الإسبانية Galicia (L51) في نواكشوط في مجرد محطة بروتوكولية عابرة. فاستقبالها من طرف وزير الدفاع الموريتاني، بحضور السفير الإسباني وقائد السفينة، يحيل إلى ديناميكية أعمق وأكثر تركيبًا: ديناميكية تعكس تحوّلًا نوعيًا — إن لم نقل عقائديًا — في مسار التعاون العسكري بين نواكشوط ومدريد.

إن اختيار «غاليسيا» بحد ذاته ليس اعتباطيًا. فهي منصة برمائية متعددة المهام، صُممت لإسقاط القوات، وتنفيذ عمليات الإنزال، وتقديم الإسناد اللوجستي. وبهذا المعنى، فإن هذا النوع من القطع البحرية يتجاوز منطق الحضور البحري التقليدي. كما أن نشرها في إطار زيارة مطوّلة أقرب إلى عرض قدرات ميداني، قد يمهّد لأشكال أكثر تكاملًا من التعاون، مثل المناورات المشتركة، وتعزيز قابلية التشغيل البيني، بل وحتى نقل الخبرات.

تأتي هذه المحطة في سياق إقليمي يشهد إعادة تشكيل متسارعة في الفضاء الساحلي-الصحراوي. فبين إعادة تموضع بعض القوى الدولية، وتصاعد التهديدات غير المتكافئة، وتآكل التوازنات التقليدية، تبدو موريتانيا — في نظر شركائها الأوروبيين — كقطب نسبي للاستقرار. ومن هنا، يبدو أن إسبانيا تتجه نحو مقاربة هجينة تجمع بين الدبلوماسية التقليدية وإسقاط قدرات عسكرية مرنة، مع تركيز خاص على الواجهة الأطلسية.

غير أن الرهان الحقيقي يظل بحريًا بالدرجة الأولى. فالساحل الموريتاني بات يختزن مصالح استراتيجية متعددة: الثروات السمكية، وآفاق الطاقة، وتدفقات الهجرة، ومسارات الشبكات غير المشروعة. وبالنسبة لمدريد، التي تتأثر مباشرة بهذه التحولات، فإن تعزيز قدرات موريتانيا يدخل في إطار أمن مشترك. أما بالنسبة لنواكشوط، فإن الأمر يمثل اختبارًا حقيقيًا: مدى قدرتها على تحويل الدعم الخارجي إلى تعزيز فعلي لسيادتها العملياتية.

في هذا الإطار، يتجاوز التحدي مستوى التعاون المعلن. إذ يتعيّن على موريتانيا إدماج هذا النوع من التفاعلات ضمن مقاربة تفاوضية دقيقة، تقوم على تعظيم المكاسب القدراتية: برامج تدريب مشتركة، نقل فعلي للخبرات، واقتناء تدريجي لمعدات ملائمة، خاصة في مجالات المراقبة البحرية وأنظمة القيادة والسيطرة. ويوازي ذلك ضرورة الاستثمار الموجّه في التكوين.

ويبرز، في هذا السياق، رافد حاسم يتمثل في إدماج أطر البحرية الموريتانية داخل الأكاديميات البحرية الإسبانية. فبعيدًا عن الدورات القصيرة، فإن الانخراط في مسارات تكوينية متكاملة — تشمل التكوين الأساسي، والتخصص، والتأهيل المتقدم — من شأنه إحداث تفاعل عميق مع المعايير العملياتية الأوروبية. ولا يقتصر الهدف هنا على الجانب التقني، بل يتعداه إلى بناء نواة وطنية من الكفاءات القادرة على نقل هذه المعارف وتكييفها مع الخصوصيات الموريتانية.
ومع ذلك، تبقى هناك ضرورة أساسية لا غنى عنها: تأطير هذه المكتسبات ضمن إطار مؤسسي واضح. فغياب التأصيل العقائدي، وضعف سلسلة القيادة، وانعدام القدرة الذاتية على الصيانة، كلها عوامل قد تفضي إلى تبعية وظيفية. أما في المقابل، فإن استيعاب هذه الشراكات بشكل مدروس قد يشكل رافعة حقيقية لتعزيز القدرات الوطنية.

في المحصلة، لا تعكس محطة «غاليسيا» مجرد بعد عملياتي، بل تؤشر إلى تحوّل أوسع في طبيعة العلاقة الثنائية، نحو مزيد من البراغماتية والأداتية في بيئة إقليمية متحركة. إنها ترسل رسالة مزدوجة — التزام إسباني ملموس، وإعادة تموضع استراتيجي موريتاني — لكنها تترك سؤالًا مفتوحًا: هل ستنجح نواكشوط في تحويل هذه الفرصة إلى استقلالية

 

زر الذهاب إلى الأعلى