
من المناصرة إلى المزايدة: قراءة في بيان إيرا. بقلم احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي
ليست كل النصوص سواء؛ فبعضها يُنير النقاش، فيما يساهم بعضها الآخر في تعقيده. ويندرج البيان الصادر في 11 أبريل 2026 عن مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية (إيرا) ضمن الفئة الثانية إلى حدٍّ بعيد. فمن خلال تراكم اتهامات بالغة الخطورة موجّهة إلى مؤسسات الدولة الموريتانية وهرمها، يسعى النص إلى إطلاق إنذار. غير أن قراءة متأنية له تفضي إلى خلاصة مفادها أنه أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى بناء تحليلي قائم على إثباتات دقيقة.
ليست الكلمات هنا محايدة. فعبارات من قبيل «تزوير شامل»، و«قمع دموي»، و«انزلاق نحو الإبادة» تستدعي، من حيث المبدأ، عرضًا مُحكمًا يستند إلى وقائع قابلة للتحقق ومصادر مستقلة. غير أن هذا الشرط الأساسي للصدقية يبدو أنه يتراجع لصالح منطق تصعيدي، حيث تُستمد قوة الخطاب من حدّته أكثر مما تُستمد من قوة الأدلة. ومثل هذا التحول لا يخلو من كلفة، إذ ينقل النص من دائرة التحليل إلى مجال المزايدة.
إن المعارضة السياسية، في أي نظام ديمقراطي، مشروعة بل وضرورية. غير أنها تكتسب فعاليتها حين تستند إلى بناء حُجَاجي متماسك. وقد جرت إعادة انتخاب محمد ولد الشيخ الغزواني في إطار مسار انتخابي خضع لمراقبة وطنية ودولية، ولم تُفضِ التقييمات المتاحة إلى خلاصات متطابقة تُثبت وجود اختلالات ممنهجة من شأنها الطعن في مجمل العملية الانتخابية. وهذا لا يعني غياب مواطن النقد، لكنه يقتضي—بالنسبة لمن يطعن—الارتقاء بالجدل إلى مستوى من الدقة والصرامة يتناسب مع خطورة الاتهامات.
أما مسألة العبودية وتداعياتها، التي تتصدر خطاب إيرا، فلا خلاف على عمقها التاريخي وحساسيتها البالغة. غير أن خطورتها بالذات تفرض مقاربة تتجاوز التبسيط والتوظيف السياسي المباشر. فالحركة، بقيادة بيرام الداه اعبيد، تتحرك عند تقاطع النضال الحقوقي والفعل السياسي، وهو موقع يمنحها مشروعية، لكنه يحمّلها في الآن ذاته مسؤولية مضاعفة: التمييز بين التنديد المؤسس على وقائع مثبتة، والتأويلات التي تُسقط الطابع المنهجي على كل حدث.
وهنا يكمن موضع الإشكال. فعندما تُقرأ كل متابعة قضائية أو إجراء أمني يخص بعض منتسبي الحركة باعتباره استهدافًا عرقيًا ممنهجًا، دون انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القانونية أو تمحيص الوقائع، فإن الخطاب يغادر مجال الدفاع عن الحقوق إلى فضاء الشك الشامل. وعلى المدى البعيد، لا يؤدي هذا النهج إلى إضعاف المؤسسات بقدر ما يُسهم في تقويض أدوات العدالة ذاتها.
ويعكس أسلوب البيان هذا المنحى التصعيدي بوضوح. إذ يستحضر مفاهيم ثقيلة مثل «عنصرية مؤسساتية» و«مشروع استئصال»، في سياق وطني يتسم بتعدد مكوناته الاجتماعية وهشاشة توازناته. ومثل هذا الاختيار اللغوي ليس بريئًا، بل يندرج ضمن دينامية من الاستقطاب قد تُفاقم الانقسامات بدل أن تُسهم في معالجتها.
ويضاف إلى ذلك بُعد خارجي يتمثل في الدعوة المتكررة إلى تدخل المجتمع الدولي. ولا جدال في أهمية آليات حماية حقوق الإنسان على المستوى الدولي، غير أن اللجوء الممنهج إليها، دون استنفاد المسارات الوطنية، قد يُفهم باعتباره توجّهًا نحو تدويل الخلاف، بما يحمله ذلك من مخاطر على فرص الحوار الداخلي.
ومع ذلك، سيكون من التبسيط اختزال هذا البيان في مجرد خطاب تصعيدي. فهو يعكس أيضًا حالة من الاحتقان الحقيقي، وشعورًا متناميًا بعدم الثقة والإحساس بالغبن لدى شريحة من المجتمع. وتجاهل هذا البعد سيكون خطأً في التقدير. غير أن مقابلته بخطاب يقوم على تضخيم الاتهامات لا يُنتج حلولًا بقدر ما يعمّق الإشكال.
بين الصمت والمبالغة، يظل هناك مجال لخطاب رصين، موثق، ومسؤول. في هذا المجال وحده يمكن مقاربة القضايا البنيوية، وفي مقدمتها إرث العبودية، بطريقة تفتح أفقًا حقيقيًا للمعالجة. أما في غياب هذا التوازن، فيبقى السؤال مطروحًا بإلحاح: هل تخدم المزايدة اللفظية قضية العدالة الاجتماعية، أم أنها تسهم—على العكس—في إبعادها؟