
المدرسة الجمهورية في موريتانيا: رهان الإصلاح بين المجتمع المدني والإعلام
في خضم التحولات التي يشهدها قطاع التعليم في موريتانيا، تبرز المدرسة الجمهورية كمشروع وطني جامع، يسعى إلى ترسيخ قيم المساواة وتكافؤ الفرص، وبناء مواطن واعٍ بهويته ومنفتح على محيطه. غير أن هذا المشروع الطموح يظل رهينًا بمدى انخراط مختلف الفاعلين، إذ لا يمكن أن يتحقق نجاحه بجهود الدولة وحدها، بل يتطلب مساهمة فعّالة من الشركاء المجتمعيين، وفي مقدمتهم المجتمع المدني، مدعومًا بدور محوري للمؤسسات الإعلامية.
يشكل المجتمع المدني، بما يضمه من جمعيات ومنظمات وروابط أهلية، امتدادًا طبيعيًا للمدرسة في محيطها الاجتماعي، حيث يساهم في تأطير المبادرات المحلية، وتقريب المدرسة من المواطنين، وتحويل القيم التربوية إلى سلوك يومي مُعاش. وهنا يلتقي دوره مع المنظومة الإعلامية، التي تعمل على نشر الوعي، وتسليط الضوء على القضايا التربوية، ومواكبة مختلف الجهود الإصلاحية، بما يعزز حضور المدرسة في الفضاء العام.
أولًا: نشر الوعي وتعزيز الانخراط المجتمعي
تلعب وسائل الإعلام دورًا أساسيًا في التعريف بمفهوم المدرسة الجمهورية وأهدافها، بينما يتولى الفاعلون المدنيون ترجمة هذا الوعي إلى مبادرات ميدانية، مثل حملات التحسيس بأهمية التعليم، والتشجيع على تمدرس الأطفال، خاصة في المناطق الهشة. وقد شهدت بعض المبادرات المحلية في السنوات الأخيرة نماذج مشجعة في هذا المجال، مما أسهم في خلق بيئة مجتمعية أكثر دعمًا للمدرسة.
ثانيًا: ترسيخ القيم الجمهورية
تسعى المدرسة الجمهورية إلى غرس قيم المواطنة والانتماء واحترام التنوع، وهي القيم نفسها التي تعمل منظمات المجتمع المدني على نشرها عبر أنشطتها الثقافية والتوعوية. ويأتي دور الإعلام ليعزز هذه الجهود، من خلال إبراز النماذج الإيجابية، وتكريس خطاب وحدوي جامع يعكس روح الانسجام المجتمعي.
ثالثًا: دعم العملية التعليمية
لا يقتصر دور المجتمع المدني على التوعية، بل يمتد إلى دعم المدرسة ماديًا ومعنويًا، من خلال توفير بعض المستلزمات، أو تنظيم دروس دعم، أو رعاية الأنشطة المدرسية. وفي المقابل، تساهم وسائل الإعلام في إبراز هذه المبادرات، مما يشجع على تعميمها واستقطاب مزيد من الدعم لها، ويحفز روح المبادرة داخل المجتمع.
رابعًا: مواكبة قضايا التعليم والدفاع عنها
يشكل المجتمع المدني صوتًا للمجتمع داخل المنظومة التربوية، حيث ينقل انشغالات المواطنين، ويقترح الحلول، ويراقب تنفيذ السياسات التعليمية. وتضطلع وسائل الإعلام بدور الوسيط، عبر تسليط الضوء على هذه القضايا وفتح النقاش العمومي حولها، بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة.
خامسًا: مكافحة الظواهر السلبية
في مواجهة تحديات مثل التسرب المدرسي، والعنف، والغش، تتدخل المنظمات المدنية بحملات ميدانية تستهدف التلاميذ والأسر، بينما يدعم الإعلام هذه الجهود عبر برامج توعوية ورسائل تحسيسية واسعة الانتشار، مما يضاعف من أثرها ويساهم في الحد من هذه الظواهر.
سادسًا: تعزيز دور الأسرة كشريك أساسي
لا يمكن الحديث عن مدرسة جمهورية ناجحة دون إشراك الأسرة. وهنا يعمل الفاعلون المدنيون على توعية أولياء الأمور بأهمية المتابعة والتوجيه، في حين تساهم وسائل الإعلام في ترسيخ هذه الثقافة، وتحفيز الأسر على أداء دورها التربوي، بما يعزز التكامل بين البيت والمدرسة.
ختامًا:
إن المدرسة الجمهورية ليست مجرد فضاء للتعلم، بل هي مشروع مجتمعي متكامل، يتطلب تضافر جهود الجميع. وإذا كان المجتمع المدني يمثل الذراع الميداني لهذا المشروع، فإن الإعلام يشكل صوته ومرآته. وبقدر ما يتعزز هذا التكامل، تقترب موريتانيا من بناء مدرسة جمهورية حقيقية، قادرة على صناعة مواطن فاعل، ومجتمع أكثر تماسكًا وتقدمًا.
كما أن مستقبل هذا المشروع يظل مرتبطًا بمدى استمرارية هذا التعاون وتطويره، عبر شراكات مستدامة، ورؤية مشتركة تضع مصلحة المتعلم في صلب الاهتمام. فالتحديات قائمة، لكن فرص النجاح أكبر متى ما توفرت الإرادة الجماعية، والإيمان بأن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأسمى في حاضر الوطن ومستقبله.
بقلم:
الصحفية : تماد إسلم أيديه