
كنز يتكلم، وبلد في بلدية/محمد يحيى سيد أحمد البكاي القصري
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله القائل: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها”، والصلاة والسلام على من أُثر عنه: خير الناس أنفعهم للناس، وبعد:
هذه شذرات من قصص واقعية من رحلة حياة، بدايتها طفلٌ يلعب تحت خيمة أمام ناظر أمه -رحمها الله-، تراقبه مبتسمة باعتزاز وهو يوزّع التراب في أوعية صغيرة، يقول: هذا لفلان، وهذا لفلان، قبل أن يُدرك أحد أن ذلك يعكس ميلًا مبكرًا للعطاء، مما سرّ أمه إذ رأت فيه بذور بذل تتشكّل، ونواة إدراك فطري بأن إسعاد الناس غاية كبرى.
ليتطور هذا الميل مع الزمن إلى رؤية ووعي بمسؤولية الفرد في العمران وخدمة الإنسان، وأن خدمة الناس لا تقوم على العاطفة وحدها، بل تحتاج إلى سعي وانتظام. فما العمل؟
إذ تجلّى -بالعلم والتجربة- أن السياسة أهم أداة لتحقيق الخير العام إذا صلحت النيات. فكانت البدايات في العمل التطوعي والمبادرات الشبابية رغم التحديات. وبعد التخرج، تعزز هذا المسار عبر تجارب أكثر تنظيمًا أسهمت في السعي للمساهمة في تكوين بعض الشباب، وفهم احتياجات المجتمع وسدّ الممكن منها. غير أن ضعف الإمكانيات دفع إلى خوض تجربة الغربة والعمل بحثًا عن وسائل أوسع للتأثير.
إلا أن التجربة بيّنت أن المال وحده لا يكفي، فكانت العودة إلى الوطن برؤية أكثر نضجًا، قوامها أن التأثير يستلزم الحضور في الشأن العام. مرّت محطات سياسية وتجارب متعددة، ورغم ما شابها من تعثّر، ظل الهدف ثابتًا: خدمة التنمية وتيسير وصول المواطن إلى حقوقه، وصولًا إلى مشروع أوسع يجمع بين الوعي المجتمعي والفعل البنّاء. فماذا حصل؟
زاد اندفاعي شعاعَ الآمال المضيئة التي لاحت في أجواء الانفتاح السياسي، وعزّزها روح الخطاب الإصلاحي وإشراق البرنامج التنموي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، مما حداني إلى ترجمة الفكرة والسعي إلى عمل جماعي منسّق، أشرفتُ عليه شخصيًا، سعيًا لتجسيد هذا البرنامج الذي يوافق رؤيتي وينسجم مع فطرتي.
ومن هنا بدأ مشروع “تيار مع الوطن” قبل سنوات، يشكّل حالة وعي ونشاطًا سياسيًا يقوم على أن خدمة المواطن مقدّمة على كل اعتبار، وأن الوطن يُبنى بالتكامل، وأن التنمية مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والفاعلين.
وفي خضم هذا المسار، برزت أمامي نماذج إنسانية استثنائية، يمكن وصفها بأنها “كنوز تمشي على الأرض”، تتجسد فيها المواطنة سلوكًا وقناعة.
• من بين هذه الكنوز السيدة دادة سيد ول اعليوة؛ امرأة لا تنتمي إلى القوالب السياسية التقليدية، لكنها تحمل في شخصيتها مزيجًا نادرًا من الوطنية الصادقة، والإنسانية المتدفقة، والبساطة العميقة، والصدق غير المتكلّف. هي نموذج لعمل الخير الذي لا يطلب ضوء الإعلام، بل يكتفي بأن يصل أثره إلى الناس بصمت. حضورها أقرب إلى روح جامعة بين الإيمان العميق بالوطن، والجرأة في قول الحق، والبذل دون انتظار مقابل. إنها ليست مجرد فاعلة خير أو ناشطة عامة، بل صورة استثنائية تذكّر بأن العمل العام يمكن أن يكون طاهرًا حين تسكنه النية الصافية.
• أما الكنز الثاني فهو عمدة بلدية عرفات، السيد محمد محمود أحمد جدو؛ رجل استحالت به البلدية إلى مساحة أوسع من حدودها الإدارية، حتى غدت كأنها وطن مصغّر. بابه مفتوح، ومكتبه ملتقى للحاجات والآمال، يربط بين المواطن والدولة بخيط من الصبر والمتابعة وسعة الصدر. حباه الله دماثة الخلق، والقدرة على الإصغاء، وإرادة التحرك، والرغبة في الإنجاز، وشبكة علاقات تُحوّل الطلبات العالقة إلى مسارات ممكنة.
لقد رأيت كيف يمكن لشخص واحد أن يجعل من موقعه البلدي نقطة عبور لمئات القصص الإنسانية: مريض يبحث عن علاج، ومواطن يبحث عن وثيقة، وأسرة تبحث عن إنصاف. وهكذا تتحول البلدية معه من مجرد إدارة محلية إلى فضاء خدمة حقيقي، يتسع بقدر ما يتسع صدر صاحبه.
وبين هذين النموذجين – دادة التي تمثل العطاء الصامت، والعمدة الذي يمثل الفعل الإداري المتصل بالناس – تتجلى فكرة أساسية: أن الأوطان لا تُبنى فقط بالمؤسسات، بل بالرجال والنساء الذين يجعلون من مواقعهم جسورًا للخير لا حواجز دونه.
وعليه، فإن ما نحتاجه اليوم هو تكثيف السعي، وأن نكون جميعًا “مع الوطن”، وتجاوز الحسابات الضيقة، والتوجه نحو عمل تشاركي يجعل من خدمة المواطن الهدف الأعلى. فالوطن، في جوهره، ليس فكرة مجردة، بل هو مجموع هذه الكنوز البشرية التي تمشي بيننا، وتحوّل الحياة من معاناة وكبد إلى آفاق دائمة للأمل والبناء.
محمد يحيى سيد أحمد البكاي القصري
رئيس تيار مع الوطن.
المصدر:الكاتب