
حين تتحول الحصانة إلى درعٍ للفوضى: في الدفاع عن هيبة الدولة وحدود الحرية. بقلم احمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي
في كل مرة يُطرح فيها ملف توقيف نائب أو مساءلته، تعود بعض أصوات المعارضة إلى نفس الأسطوانة: “تراجع عن الحريات”، “استهداف للرأي المخالف”، “إخلال بالفصل بين السلطات”. عبارات كبيرة، ذات حمولة أخلاقية ودستورية، لكنها تُستخدم – في كثير من الأحيان – خارج سياقها الحقيقي، لتتحول من أدوات دفاع عن الديمقراطية إلى وسائل ضغط سياسي ظرفي، يختلط فيه المبدئي بالمصلحي.
ما جرى في قضية النائب مريم بنت الشيخ لا يمكن عزله عن هذا السياق. فالمعارضة اختارت منذ اللحظة الأولى تأطير الحدث باعتباره اعتداءً على الحصانة البرلمانية، في حين أن جوهر القضية – كما يبدو – لا يتعلق بحرية الرأي في بعدها السياسي المشروع، بل بحدود هذا الرأي حين ينزلق إلى خطاب يمس الرموز الدستورية للدولة، ويخرج عن مقتضيات اللياقة المؤسسية التي يفترض أن تضبط أداء ممثلي الشعب.
إن الحصانة البرلمانية، في أصلها الدستوري، ليست رخصة مفتوحة للقول بلا قيد أو شرط، وليست صكًا للإفلات من أي مساءلة، بل هي آلية لحماية الوظيفة التشريعية من التعسف، لا لحماية السلوك الفردي حين يتجاوز الضوابط القانونية والأخلاقية. والخلط بين الأمرين هو ما تسعى بعض الأطراف إلى تكريسه، لأن فيه مصلحة سياسية واضحة: تحويل أي مساءلة إلى “قضية حريات”، وأي إجراء قانوني إلى “استهداف سياسي”.
غير أن الدولة، في المقابل، ليست كيانًا مجردًا يمكن النيل من رموزه دون تبعات، ولا يمكن أن تُبنى هيبتها على التساهل مع خطاب يضرب في الصميم أسس الاحترام المؤسسي. فكما أن الديمقراطية تقتضي حماية حرية التعبير، فإنها تقتضي أيضًا صيانة مؤسسات الدولة من الانزلاق إلى حالة من التسيب الخطابي، حيث يصبح كل شيء مباحًا تحت غطاء “الرأي”.
ثم إن مبدأ الفصل بين السلطات، الذي تستحضره المعارضة في بيانها، لا يعني إطلاق يد أي سلطة دون قيد، بل يعني توازنًا دقيقًا يقوم على الرقابة المتبادلة، وعلى خضوع الجميع – أفرادًا ومؤسسات – لسيادة القانون. وإذا كانت السلطة التنفيذية مطالبة بعدم التعسف، فإن السلطة التشريعية – ممثلة في نوابها – مطالبة أيضًا بالالتزام بحدود الدور، وعدم تحويل المنابر السياسية إلى فضاءات للإساءة أو الإثارة غير المسؤولة.
الأخطر في خطاب المعارضة هنا، ليس فقط دفاعها عن نائبة موقوفة، فهذا حق سياسي مشروع، بل محاولتها إضفاء طابع قدسي على الحصانة، وكأنها تعلو على القانون، أو تمنح صاحبها وضعًا استثنائيًا خارج المساءلة. وهذا منطق، إن تم تكريسه، فإنه لا يخدم الديمقراطية بقدر ما يفتح الباب أمام فوضى مؤسساتية، تُفقد البرلمان هيبته قبل أن تُضعف الدولة.
سياسيًا، قد يبدو هذا الخطاب مربحًا على المدى القصير، لأنه يتيح للمعارضة تعبئة قواعدها وتسجيل نقاط إعلامية. لكن على المدى الأبعد، فإنه يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن بصدد ترسيخ ثقافة مؤسساتية تقوم على المسؤولية والانضباط، أم أننا نعيد إنتاج مناخ تُختزل فيه السياسة في صراخ ومزايدات، دون اعتبار لمآلاتها على استقرار النظام السياسي؟
إن الدفاع الحقيقي عن الحريات لا يكون بتبرير كل تجاوز، ولا بتحويل كل مساءلة إلى “قمع”، بل بإرساء توازن واضح: حرية مسؤولة، ومؤسسات محترمة، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء. أما غير ذلك، فليس سوى محاولة لليّ أعناق النصوص الدستورية لخدمة لحظة سياسية عابرة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل نريد برلمانًا يمارس رقابته بقوة ومسؤولية، أم منصة مفتوحة تُستباح فيها هيبة الدولة باسم الحصانة؟ هنا فقط يتحدد الفرق بين ديمقراطية ناضجة، وفوضى تُلبس نفسها ثوب الحرية.