
آفاق سياسات وحوكمة منظومة الضرائب بموريتانيا: نحو شمولية وعدالة أكثر وفاعلية في التحصيل
التفاعل الواسع الذي شهدته الساحة والرأي العام حول موضوع الضرائب ظاهرة صحية ومهمة في ترسيخ ثقافة الضريبة والمواطنة والانتماء
هذا النقاش سيسلط الضوء على الطبيعة الدستورية السيادية للضريبة؛ ففي قمة التدافع بين الرأي والرأي الآخر، وبين الرفض والقبول، تبرز الحقيقة وتتكشف النواقص، على هذا الأساس سيسلط هذا المقال الضوء على حوكمة الجهاز الجبائي الموريتاني بعد اعتماد الهيكلة الأخيرة لوزارة المالية في فبراير 2026، ويبرز أهم الإصلاحات المعتمدة، وكيف سيكون أثرها على تسيير هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي الذي تعول عليه الدولة في تمويل التنمية وتلبية الحاجات المتزايدة للمواطنين، لا سيما بعد نضوب التمويل الخارجي والظروف العالمية المتلاطمة التي تدفع أي أمة للتفكير في استقلال قرارها والاكتفاء الذاتي بمواردها، كما يكشف هذا المقال ملابسات القرارات الأخيرة و قصور فهمها في اطار السياق الذي أدي لاعتمادها.
فالعدالة في توزيع الثروات وتعزيز النمو الاقتصادي (الرافعة للتشغيل والوعاء للجباية) تستلزم مراعاة القدرة الضريبية لكل وحدة اقتصادية، والصرامة في التدقيق حتى لا يبقى لمتهرب فرصة الظفر بموارد الأمة والاستئثار بها ورفض إعادة توزيع الثروة.
واقع الجباية وخصوصيتها
الجباية او سياسة الضرائب عمل سيادي دستوري اذ لا تُسنّ الضريبة إلا بقانون مرّ بجميع مراحل الدراسة والتشريع، وهي بطبيعتها إلزامية خصوصا عندما تكون مبررة بمصلحة وطنية واضحة لتمويل مشاريع تنموية ونفقات عامة لا غنى عنها، لكن هذه الإلزامية مقيدة بضوابط كمراعاة القدرة الضريبية لكل وحدة اقتصادية وكل مواطن، البعد الاجتماعي، كلفة التحصيل، والاستمرارية.
الضريبة تولد، تقوى، تضعف أو تُلغى بحسب مدى خدمتها للهدف العام؛ ومن هنا يتضح أن الاحتجاجات و المعارضة الذكية لا تُوجَّه إلى أصل الضريبة نفسها، بل إلى مدي شموليتها وعدالتها وكلفة تحصيلها وشفافية النفقات لاحقا.
فمنذ نشأتها تعتمد الدولة سياسات جبائية تتفاعل مع التطور الاقتصادي والقدرة على الموازنة بين عائد استغلال الموارد الطبيعية ،الاستثمارات العمومية وأهداف إعادة التوزيع، فالدولة تفرض ضرائب وتستثني أو تعفي قطاعات لأسباب استراتيجية أو اجتماعية؛ وتعدل الوعاء أو النسبة حسب الأهداف الاقتصادية.
هذه المرونة شرط ضروري، لكن تطبيقها يرتبط بإدارة مهنية وشفافة تقرأ الواقع وتحلله وتردع التجاوز أو المحاباة، وهنا يبرز دور الرأي العام والرقابة الشعبية لضمان تطبيق النصوص كما هي.
الهيكلة الجديدة للجهاز الجبائي و أبرز المستجدات والوثائق الاستراتيجية
ندخل هنا لصلب الموضوع الذي هو جهاز الحوكمة الجديد والهيكلة المعتمدة، التي أظهرت تغيُّرات نوعية على المستويين المركزي والعملي من أهمها استحداث وحدات متخصصة للسياسة الضريبية والتخطيط والمتابعة، ادارة لنظم المعلومات ، تعزيز دور المفتشية الرئيسة للمصالح، إنشاء قطب رقابي مدعوم بقدرات تدقيقية واستقصائية، وإعادة ترتيب الإدارات العملياتية و الجهوية لتقريب الخدمات من المكلفين وتحسين التكامل بين المصالح.
ففي ظل سياق اقتصادي متغير ومتسارع، سعت المديرية العامة للضرائب إلى تحديث إدارتها وتعزيز أدائها، اذ لا تقتصر التحولات المنشودة على اعتماد تقنيات جديدة فحسب، بل تتطلب مراجعة عميقة للعمليات الداخلية، وإعادة تعريف للأدوار والمسؤوليات، ووضع أدوات فعالة للمتابعة والتحليل، يهدف هذا التجديد التنظيمي إلى تحسين فعالية الإدارة، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمكلفين، وإرساء مزيد من الشفافية في العمليات الإدارية، كما تهدف هذه المقاربة إلى تعبئة الموارد اللازمة لتمويل السياسات العمومية، الحفاظ على الاستقرار الكلي، وتعزيز ثقة الفاعلين الاقتصاديين، مما فرض حاجة ملحّة جعلت الإدارة العامة للضرائب تعتمد استراتيجية تدمج الأبعاد التكنولوجية والتنظيمية والبشرية لضمان تعبئة فعالة وعادلة للإيرادات الضريبية بما يكفل أن يساهم كل فاعل وفق قدراته.
المخطط الاستراتيجي للإدارة العامة للضرائب 2025–2029 PLAN STRATEGIQUE-DGI: مقاصد ومبادئ
أُعدّ هذا المخطط الاستراتيجي ليحدد التوجهات الكبرى والإجراءات العاجلة التي ستوجه تطور المديرية العامة للضرائب خلال السنوات الخمس المقبلة، تهدف هذه الوثيقة إلى إدراج الإدارة الضريبية في دينامية إصلاحية ومبتكرة، مع التركيز على تبسيط الإجراءات، رقمنة الخدمات، وتعزيز الامتثال الضريبي، فضلاً عن تعزيز علاقة الثقة بين الإدارة والمكلفين عبر الشفافية والعدالة وجودة الخدمات.
ويَرتكز هذا المخطط الاستراتيجي على أربعة محاور: تحسين الإجراءات وتعزيز الوظائف الأساسية؛ تقوية القدرات المؤسسية والتنظيمية؛ تعزيز الوعي الضريبي والامتثال الطوعي؛ وتعميق العدالة الضريبية وضمان توزيع عادل للأعباء.
المخطط مستلهم من برنامج فخامة رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني ( MAPP طموحي للوطن) وإعلان السياسات العامة للحكومة ، وينسجم مع الاستراتيجية الوطنية للنمو المتسارع والرفاه المشترك (SCAPP) والقانون العضوي لقوانين المالية LOLF، وذلك وفق المخطط التوجيهي لإصلاح المالية العامة 2025–2030 Schéma Directeur Des Réformes Des Finances Publiques الذي يضع أولويات لإصلاحات مالية شاملة: كالانتقال إلى ميزانية برامجية والمحاسبة على أساس الحقوق والالتزامات، تحسين توثيق الميزانية، ومواءمة الإطار القانوني مع معايير PEFA والاستفادة من الدروس المستخلصة من تقييم TADAT الاخير،
التطور في هيكلة وزارة المالية بين المرسوم 349/2019 والمرسوم 30/2026 المحددان لصلاحيات وزارة المالية و القطاعات التابعة لها : قراءة مقارنة
من منظور هيكلي اداري وعملي، تكشف المقارنة بين هيكلة قطاع المالية بين عامي 2019 و 2026 تحوّلاً نحو تخصص وتكامل أكبر في مجال الجباية، على المستوى المركزي انتقلت الاختصاصات من توزيع تقليدي لمستشارين فنيين بشكل عام في 2019 إلى أجهزة متخصصة داخل وزارة المالية في 2026 حيث انشئت وحدة خاصة للسياسات الضريبية UPF يقودها مكلف بمهمة لدي الوزير وتم استحداث منصب مستشار مختص بجباية الأنشطة الاستخراجية بالإضافة للمستشار المختص بالجباية، ما يعكس ربطاً أقوى بين السياسة الضريبية والإطار الماكرو اقتصادي وإدراكاً لمخاطر الشركات متعددة الجنسيات.
في إدارة الضرائب نفسها تغيّر التركيب المؤسسي من مركزة تقليدية و إدارات عملياتية مقطعة الاوصال في 2019 إلى هيكلة مركزية أعمق في 2026 تضمنت دمج العلاقات الدولية ضمن مهام التشريع والنزاعات DLCCI ، إنشاء إدارة مركزية للتخطيط والعمليات الجباية و المحاسبية (DPOFC)، وحدة لإدارة المخاطر، مصلحة للأعلام والاتصال بالإضافة لإدارة للنظم المعلوماتية DSI تختص بإدارة وتطوير نظم المعلومات المستخدمة كجبايةJIBAYA وتوسيع دور المفتشية الداخلية IPS بمنحها صلاحيات رقابية أوسع.
بالإضافة لخلية تعني بالمصادر البشرية والوسائل العامة ومستشار فني مكلف بمتابعة الإصلاحات CTPSR ضمن ديوان المدير العام
على المستوى العملياتي أعيد ترتيب التوزيع الجهوي والقطاعي بتجميع المراكز وتوزيعهم علي ثلاث مناطق جهوية: انواكشوط و منطقة شمال-شرق وجنوب-شرق الوطن لتغطية باقي الولايات ( DRIZN/DRIZNE/DRIZSE) ، وتعزيز إدارات المؤسسات الكبرى DGE ،المؤسسات المتوسطة DMEN ، الهيئات العمومية DEP و إدارة الرقابة الضريبية DCF بمصالح جديدة وأقطاب رقابية وتدقيقية (قطب للرقابة الضريبية برئاسة مدير مساعد يضم مفتشين مدقّقين رئيسيين (10) برتبة مصلحة ومفتشين مراجعين(30) رتبة رئيس قسم )، مما يقوّي القدرة على استهداف الاقتصاد الرقمي والتدقيق لمحاسبة الشركات ومكافحة التهرب الضريبي.
باختصار، التحول بين الهيكلتين ينقلنا من بنية بيروقراطية نسبياً إلى بنية مؤسسية أكثر تخصصاً ورقمنة وتخطيطاً، مع تركيز واضح على الحوكمة، جمع واستغلال المعلومات ، وإدارة المخاطر وهي شروط ضرورية لرفع فعالية الجباية وتحقيق عدالة ضريبية حيث اعتمدت الإدارة العامة للضرائب مؤخرا مجموعة من الأدلة الإجرائية مثل: دليل التحصيل، دليل المنازاعات، دليل التدقيق الداخلي، دليل المكلفين، ودليل الرقابة الضريبية ، كلها أدوات تعزز المهنية في الإجراءات.
بقلم المستشار الجهوي :
محمد الحافظ الديمان-بتاريخ 18-03-2026