إسرائيل بلا رادع؟ هل فشلت السياسة في كبح الحرب أم تُعاد صياغة المنطقة بالقوة

مقدمة

يتصاعد الجدل في العالم العربي والإسلامي حول ما يُنظر إليه كاتساع العمليات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، وسط شعور عام بأن ميزان الردع الدولي مختل، وأن معاناة الفلسطينيين تتفاقم دون أفق سياسي واضح للحل.

فمن غزة إلى الضفة الغربية، ومن الحدود اللبنانية إلى الساحة السورية، تبدو المنطقة أمام صراع طويل تتداخل فيه السياسة بالقوة العسكرية وحسابات القوى الدولية.

حرب مفتوحة في الأراضي الفلسطينية

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في قطاع غزة، دخل الوضع الإنساني مرحلة غير مسبوقة من التدهور، مع قصف واسع وتدمير الأحياء السكنية وانهيار الخدمات الصحية والاقتصادية، ما جعل القطاع يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث (OCHA, 2026).

تقارير الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية تشير إلى نزوح جماعي للسكان، وتحذيرات من أن استمرار العمليات العسكرية قد يجعل الحياة في القطاع شبه مستحيلة لسنوات (UNRWA, 2026).

أما في الضفة الغربية، فتأخذ المواجهة شكلًا مختلفًا لكنه لا يقل خطورة؛ إذ تتواصل الاقتحامات العسكرية، وتتزايد الاحتكاكات اليومية، إضافة إلى توسع الاستيطان واعتداءات المستوطنين، وهو ما يزيد من حالة الاحتقان ويضعف أي فرصة لتهدئة طويلة.

ويرى مراقبون أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية يعكس انتقال الصراع من مواجهة أمنية محدودة إلى واقع سياسي وأمني دائم يصعب احتواؤه دون تدخل دولي فعال.

امتداد العمليات خارج فلسطين

لم يعد الصراع محصورًا داخل الأراضي الفلسطينية، بل امتد إلى ساحات إقليمية متعددة.

الغارات الإسرائيلية داخل سوريا تستهدف ما تقول إسرائيل إنها مواقع عسكرية مرتبطة بخصومها الإقليميين، بينما يشهد جنوب لبنان توترات متكررة وقصف على الحدود.

كما تتصاعد حدة الخطاب السياسي والعسكري بين إسرائيل وكل من إيران وأطراف مسلحة في المنطقة، ما يرفع احتمالات اتساع الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع.

هذا التمدد في ساحات الاشتباك يعكس أن الصراع لم يعد مجرد نزاع حدودي، بل أصبح جزءًا من شبكة توازنات إقليمية معقدة.

لماذا تبدو إسرائيل بلا رادع؟

يُجمع محللون سياسيون على أن عدة عوامل تفسر قدرة إسرائيل على مواصلة عملياتها دون ضغوط حاسمة:

  1. التفوق العسكري والدعم السياسي
    تتمتع إسرائيل بقدرات عسكرية متقدمة، إلى جانب دعم سياسي من قوى دولية مؤثرة، ما يمنحها مساحة واسعة للتحرك في أزماتها الأمنية.
  2. الانقسام العربي والإقليمي
    غياب موقف عربي وإسلامي موحد يقلل من قدرة الدول على فرض ضغط سياسي أو اقتصادي فعال، ويجعل ردود الفعل غالبًا فردية ومحدودة التأثير.
  3. حدود النظام الدولي
    رغم صدور إدانات متكررة من هيئات مثل الأمم المتحدة، فإن تنفيذ القرارات الدولية يبقى رهين التوازنات السياسية العالمية، ما يضعف قدرة القانون الدولي على إحداث تغيير فوري (AA, 2026).
  4. تشابك الصراعات الإقليمية
    وجود ملفات أمنية متداخلة في المنطقة يجعل القوى الدولية تنظر للصراع ضمن سياق أوسع من مجرد قضية احتلال، وهو ما يؤثر على طبيعة التدخلات السياسية.

خطة ترامب للسلام في غزة… تسوية أم إدارة للأزمة؟

بالتوازي مع العمليات العسكرية، عاد الحديث عن مبادرات سياسية تُطرح لمستقبل قطاع غزة بعد الحرب، ومن بينها خطة السلام التي يترأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ترتيبات ما بعد القتال.

تشير التصورات المتداولة إلى ترتيبات أمنية وإدارية جديدة للقطاع، تتضمن إعادة تشكيل السلطة المحلية وإشرافًا أمنيًا مشددًا، مع ربط مشاريع إعادة الإعمار بشروط سياسية وأمنية.

غير أن منتقدين يرون أن هذه الرؤية، على علاتها، لا تعالج جذور الصراع ولا تقدم ضمانات حقيقية لإنهاء معاناة المدنيين، إذ تركز على إدارة الوضع بعد الحرب أكثر من تركيزها على إنهاء الحصار أو معالجة القضايا السياسية الأساسية للفلسطينيين.

كما يخشى مراقبون أن تتحول الخطة إلى مجرد إطار لإدارة الأزمة بدل حلها، بحيث تُبقي الوضع الإنساني تحت السيطرة دون أفق سياسي واضح، ما قد يجعل أي تهدئة مستقبلية مؤقتة وقابلة للانفجار مجددًا (Brecorder, 2026).

ما الذي قد يغيّر المعادلة؟

يرى خبراء أن وقف التصعيد أو الحد منه يتطلب تحولات حقيقية في عدة مستويات:

  • ضغط دولي موحد يربط العلاقات السياسية والعسكرية باحترام القانون الدولي
  • تحرك قانوني دولي أقوى عبر المحاكم والمؤسسات القضائية الدولية
  • تنسيق عربي وإسلامي قادر على تشكيل ثقل سياسي واقتصادي مؤثر
  • تنامي ضغط الرأي العام العالمي، الذي بات عاملًا مهمًا في التأثير على قرارات الحكومات (People.com.cn, 2025)

فالتاريخ السياسي يشير إلى أن الصراعات لا تتوقف فقط بالبيانات، بل عندما تتغير حسابات الكلفة السياسية والعسكرية للأطراف المتحاربة.

خاتمة

يبقى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واحدًا من أعقد ملفات العالم المعاصر، ليس فقط بسبب جذوره التاريخية، بل لأنه تحول إلى اختبار حقيقي لفاعلية النظام الدولي وقدرته على حماية المدنيين وفرض قواعد القانون الدولي.

فالحرب المدمرة في غزة، ومحاولة التهجير والضم في الضفة الغربية، واتساع رقعة الاشتباك إقليميًا، كلها مؤشرات على أن المنطقة لا تعيش مجرد جولة تصعيد عابرة، بل مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات السياسية والأمنية.

وفي هذا السياق، تبدو المبادرات السياسية المطروحة — بما فيها الخطط المتعلقة بمستقبل غزة — عاجزة حتى الآن عن تقديم تصور شامل يضمن إنهاء المعاناة الإنسانية ويؤسس لتسوية قابلة للحياة.

إن استمرار الوضع الحالي لا يعني فقط مزيدًا من الضحايا والدمار، بل يهدد أيضًا بإبقاء الصراع مفتوحًا على احتمالات أوسع، قد تتجاوز حدود فلسطين إلى الإقليم بأكمله (AA, 2026).

وبينما تتقاطع الحسابات الدولية مع تعقيدات الواقع الإقليمي، يبقى السؤال الجوهري حاضرًا:

هل يتحرك العالم نحو تسوية سياسية حقيقية تعالج جذور الصراع، وتعطي للشعب الفلسطيني حقه في قيام دولته، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة أطول من إدارة الأزمات بدل حلها؟

بقلم: تماد إسلم أيديه

صحفية وباحثة في الشأن العام

زر الذهاب إلى الأعلى