بين الإنجازات والتحديات: قراءة في خطاب الوزير الأول أمام الجمعية الوطنية

جاء خطاب الوزير الأول، السيد المختار ولد أجاي، أمام الجمعية الوطنية حاملاً ملامح مرحلة تسعى الحكومة من خلالها إلى تثبيت منجزات سنة 2025، وفتح آفاق عملية لسنة 2026، في سياق داخلي يتسم بتعاظم التطلعات الاجتماعية، وإقليمي ودولي بالغ التعقيد.

الخطاب، الذي اتسم بنبرة هادئة ولغة أرقام واضحة، لم يكن مجرد استعراض تقليدي لحصيلة حكومية، بقدر ما شكّل محاولة لتقديم سردية متكاملة لمسار العمل التنفيذي، تربط بين ما تحقق وما هو قيد الإنجاز، وما يُراهن عليه مستقبلاً.

حصيلة 2025: من التثبيت إلى التوسيع

استعرض الوزير الأول أبرز ما أنجزته الحكومة خلال سنة 2025، مركزاً على الملفات ذات الأولوية، وفي مقدمتها دعم القدرة الشرائية، وتعزيز البنى التحتية، وتحسين الخدمات الأساسية. وقد بدا واضحاً حرصه على إبراز الطابع التراكمي للإنجازات، باعتبارها امتداداً لسياسات عمومية اعتمدت خلال السنوات الماضية، مع توسيع نطاقها ورفع وتيرة تنفيذها.

وفي هذا السياق، ركّز الخطاب على نتائج برامج الدعم الاجتماعي، وجهود ضبط الأسعار، ومواصلة الاستثمار في قطاعات التعليم والصحة والطاقة، باعتبارها ركائز أساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.

2026: سنة المشاريع الكبرى والرهانات الاقتصادية

أما على مستوى الآفاق، فقد قدّم الوزير الأول ملامح برنامج سنة 2026 بوصفها سنة مفصلية، يُنتظر أن تشهد دخول مشاريع استراتيجية حيز التنفيذ، خصوصاً في مجالات التعدين والطاقة والبنى التحتية الإنتاجية.

وأشار ولد أجاي إلى توجه حكومي واضح نحو تنويع الاقتصاد الوطني، من خلال مواكبة المستثمرين في قطاعات واعدة، مثل الفوسفات واليورانيوم والمواد النادرة، مع التأكيد على أهمية خلق قيمة مضافة وطنية، وتوفير فرص عمل مستدامة.

خطاب الأرقام والواقعية

ما ميّز خطاب الوزير الأول هو اعتماده على لغة واقعية، بعيدة عن الوعود الفضفاضة، مع الإقرار الضمني بتحديات قائمة، سواء تعلق الأمر بالإكراهات المالية، أو بضرورة تحسين الحكامة وتسريع وتيرة التنفيذ. وقد منح هذا الأسلوب الخطاب قدراً من المصداقية، خاصة لدى المتابعين للشأن العام والفاعلين السياسيين.

بين التقييم والمساءلة

ويمثل هذا الخطاب، من زاوية أخرى، أرضية سياسية مفتوحة للنقاش البرلماني، حيث سيجد النواب مادة دسمة للتقييم والمساءلة، سواء بشأن حصيلة 2025 أو بخصوص جدوى الرهانات المعلنة لسنة 2026، ومدى انعكاسها المباشر على حياة المواطنين.

خلاصة

في المحصلة، يمكن القول إن خطاب الوزير الأول المختار ولد أجاي شكّل محطة سياسية بالغة الأهمية، أعادت ترتيب أولويات العمل الحكومي، وقدّمت رؤية عامة لمسار الدولة خلال المرحلة المقبلة. غير أن التحدي الجوهري، كما هو الحال دائماً، يظل متمثلاً في قدرة الحكومة على تحويل ما عُرض من أرقام وبرامج إلى نتائج ملموسة يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، وهو رهان يتوقف بالأساس على سرعة التنفيذ وفعالية المتابعة خلال سنة 2026.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل طموحات برامج سنة 2026 عن جملة من التحديات الموضوعية التي سترافق مسار التنفيذ، وفي مقدمتها محدودية الموارد المالية، وتقلبات الأوضاع الاقتصادية العالمية، وضغوط كلفة المعيشة، فضلاً عن التحدي المتعلق بتعزيز كفاءة الإدارة وتحسين جودة الحكامة والرقابة. كما يبقى البعد الاجتماعي عنصراً حاسماً في تقييم النجاح، إذ إن أي سياسة عمومية لن تكتسب معناها الكامل إلا بمدى انعكاسها المباشر على تحسين ظروف المواطنين، وخلق فرص العمل، وترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع. وعليه، فإن سنة 2026 لن تكون مجرد محطة لتنفيذ المشاريع، بقدر ما ستكون سنة اختبار حقيقي لنجاعة الخيارات الحكومية وقدرتها على تحقيق أثر ملموس ومستدام على أرض الواقع

بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في الشأن العام

زر الذهاب إلى الأعلى