منع التأشيرة الأمريكية للسلطة الفلسطينية.. قراءة في الدلالات والمآلات

أثار قرار الإدارة الأمريكية الأخير منع وفد من السلطة الفلسطينية من الحصول على التأشيرة اللازمة لدخول أراضيها للمشاركة في فعاليات سياسية ودبلوماسية، جدلاً واسعاً في الأوساط الفلسطينية والعربية والدولية. ويأتي هذا القرار في سياق حساس تشهده المنطقة، حيث تتقاطع الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة مع انسداد الأفق السياسي للقضية الفلسطينية، وتزايد الضغوط على السلطة الفلسطينية داخلياً وخارجياً.

خلفيات القرار

تاريخياً، لطالما شكلت الولايات المتحدة القناة الرئيسية للحوار بين السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي، سواء عبر رعايتها لعمليات التسوية أو من خلال فتح المجال أمام وفود فلسطينية لعرض مواقفها في المؤسسات الأممية أو مراكز الأبحاث الأمريكية المؤثرة. غير أنّ القرار الأخير يعكس تحوّلاً في المزاج السياسي داخل واشنطن، إذ يُنظر إليه كجزء من سياسة أوسع تهدف إلى:

  • الضغط على السلطة الفلسطينية لفرض مواقف أكثر ليونة تجاه الملفات السياسية والأمنية.
  • الحد من قدرتها على حشد الدعم الدولي في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
  • اختبار مرونة السلطة في ظل أزمتها الداخلية وتراجع شرعيتها الشعبية.

التداعيات السياسية

يحمل هذا المنع جملة من التداعيات على مستوى التوازن السياسي:

  1. تعميق عزلة السلطة: حرمانها من إحدى أهم المنصات السياسية الدولية يعني مزيداً من الانكفاء، خصوصاً مع انحسار قنواتها التقليدية في أوروبا وتنامي نفوذ إسرائيل في العواصم الغربية.
  2. إضعاف موقعها التفاوضي: إذ يُقرأ القرار كرسالة بأن واشنطن لم تعد تعتبر السلطة شريكاً أساسياً أو قادراً على التأثير في مسارات التسوية، ما يفتح الباب أمام بدائل أو صيغ جديدة للتمثيل الفلسطيني.
  3. تعزيز إسرائيل: إذ يصب المنع عملياً في خدمة الرواية الإسرائيلية، عبر تقييد الخطاب الفلسطيني في المحافل الدولية ومنع تبلور صورة مغايرة لتلك التي تروّجها تل أبيب.

تغييب دور الأمم المتحدة

يبرز في هذا السياق غياب فاعلية الأمم المتحدة ومؤسساتها، التي يفترض أن تكون مظلة محايدة لحماية الحقوق الفلسطينية وضمان وصول الصوت الفلسطيني إلى المجتمع الدولي. إلا أن استمرار هيمنة الولايات المتحدة على قرارات مجلس الأمن، واستخدامها المتكرر لحق النقض (الفيتو) لصالح إسرائيل، حوّل الأمم المتحدة إلى ساحة مشلولة في القضايا الفلسطينية.

  • هذا الغياب يترك السلطة الفلسطينية مكشوفة أمام الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ويقلّص من قدرة النظام الدولي على لعب أي دور مستقل.
  • كما يعزز شعور الفلسطينيين بأن الشرعية الدولية انتقائية، وأن حقوقهم مرهونة بالتوازنات الكبرى لا بالقانون الدولي.

التداعيات الداخلية

على الصعيد الداخلي الفلسطيني، قد تكون التداعيات أكثر خطورة:

  • إضعاف ثقة الشارع بالسلطة: يُنظر إلى المنع كإهانة سياسية تزيد من شعور الفلسطينيين بأن السلطة فقدت وزنها الدولي ولم تعد قادرة على حماية حقوقهم أو إيصال صوتهم.
  • تعزيز التيارات المعارضة: سيمنح القرار زخماً إضافياً للفصائل المعارضة التي ترى في استمرار الرهان على الولايات المتحدة خطأً استراتيجياً.
  • مأزق الشرعية: في وقت تتصاعد فيه المطالب بإصلاح داخلي وتجديد الشرعيات عبر الانتخابات، يأتي هذا الموقف الأمريكي ليعمّق أزمة الشرعية السياسية للسلطة.

التداعيات الإقليمية والدولية

على المستوى الإقليمي، قد يدفع القرار بعض الدول العربية إلى إعادة النظر في مواقفها تجاه دعم السلطة، بينما قد تستغله أطراف أخرى لتعزيز نفوذها في الملف الفلسطيني، كتركيا أو إيران أو حتى روسيا، التي قد تسعى لتقديم نفسها كبديل في احتضان الصوت الفلسطيني.

أما على المستوى الدولي، فإن المنع يعكس بوضوح انحياز واشنطن المتزايد إلى الموقف الإسرائيلي، بما يقوّض مصداقيتها كوسيط محايد في أي عملية سلام مستقبلية. وهنا يظهر الغياب الأممي كأحد أبرز عوامل إضعاف العدالة الدولية، إذ ترك المجال للولايات المتحدة كي تفرض أجندتها من دون كوابح أو بدائل.

السيناريوهات المستقبلية

يمكن استشراف عدة مآلات محتملة:

  1. خضوع السلطة للضغوط: عبر تقديم تنازلات سياسية وأمنية مقابل إعادة فتح الأبواب أمامها في واشنطن.
  2. توجه نحو بدائل دبلوماسية: كالاعتماد على الساحات الأوروبية، أو تعزيز الحضور في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، رغم محدودية تأثيرها بسبب النفوذ الأمريكي.
  3. تصعيد المواجهة السياسية: من خلال تبني خطاب أكثر حدة تجاه واشنطن، وهو خيار محفوف بالمخاطر نظراً لاعتماد السلطة على المساعدات الأمريكية.
  4. إعادة هيكلة التمثيل الفلسطيني: في حال استمرار التضييق، قد تتسع الدعوات الداخلية لإعادة النظر في بنية السلطة نفسها، وربما إحياء منظمة التحرير كإطار جامع أكثر استقلالية.

وهكذا، فإن قرار الإدارة الأمريكية بمنع تأشيرة وفد السلطة الفلسطينية لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري عابر، بل هو رسالة سياسية عميقة الدلالة،فهو يعكس اختلال ميزان العلاقة بين الطرفين، ويشير إلى أزمة أوسع في مستقبل الدور الأمريكي كوسيط في القضية الفلسطينية،وفي المحصلة، فإن استمرار هذا النهج من شأنه أن يدفع السلطة الفلسطينية إلى مزيد من العزلة والتآكل الداخلي، ما يفتح الباب أمام تحولات غير محسوبة في المشهد الفلسطيني والعربي على السواء،وفي الوقت نفسه يكشف القرار الأميركي هشاشة الموقف الدولي وتراجع دور الأمم المتحدة في الدفاع عن العدالة والحقوق الفلسطينية.

بقلم:تماد إسلم أيديه

زر الذهاب إلى الأعلى