تأثير الفجوة الرقمية على الروابط الأسرية

تُعدّ الأسرة النواة الأساسية في المجتمع، وعلاقات التواصل الفعّالة بين أفرادها هي الضمان لاستقرارها وتماسكها. ومع مايشهده عالمنا اليوم من ثورة تكنولوجية هائلة غزت جميع جوانب الحياة، بما في ذلك الحياة الأسرية، وتزايد اعتماد الأبناء على التكنولوجيا في التواصل والتعلم والترفيه ظهر مصطلح الفجوة الرقمية ليصف الاختلاف الكبير في مهارات وخبرات استخدام التكنولوجيا الرقمية بين الجيلين، بين جيل الأباء الذي نشأ في عصر قبل الإنترنت وجيل الأبناء الذي نشأ في عصر التكنولوجيا الحديثة.

تُشكل هذه الفجوة الرقمية باعتبارها ظاهرة معاصرة في الأسر العربية تحديًا كبيرًا، ولهذا التباين في المهارات الرقمية تأثير عميق على بنية الأسرة وطبيعة العلاقات الأسرية وأنماط الحوار وقيم وأدوار الأسرة، وعلى التواصل والتفاعل داخل الأسرة، ويطرح العديد من التحديات.

تُظهر إحصائية حديثة صادرة عن مركز بيو للأبحاث PewResearch Center لعام 2023 أن 68% من الآباء في الولايات المتحدة يشعرون بعدم القدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية التي يستخدمها أبناؤهم.

في المقابل، يرى 71% من المراهقين بين 13 و17 عامًا أنهم أكثر مهارة في استخدام التكنولوجيا مقارنة بآبائهم.

كما أن 32% فقط من الآباء يشعرون بالثقة الكافية لشرح كيفية استخدام التطبيقات الرقمية لأطفالهم، مما يُبرز وجود فجوة رقمية كبيرة بين الأجيال.

من خلال هذا المقال سنسلط الضوء على أسباب الفجوة الرقمية وتأثيرها على العلاقات الأسرية، وكيف نعزز الاستقرار والتواصل الاسري في وجودها، وطرق التكيف مع هذه التحولات لردم الفجوة أو على الأقل التقليل منها.

من أبرز أسباب الهوة الرقمية:

اختلاف الأجيال وأنماط التعلم نظرا لنشأة الأبناء في عالم رقمي أصبحت التكنولوجيا لغتهم الأم، لهذا لديهم خبرة أكبر في استخدام الأجهزة والتطبيقات مقارنة بالآباء
سرعة التطور التكنولوجي يصعب على الآباء مواكبة هذا التطور السريع
الفجوة العمرية بين الجيلين
اختلاف الاهتمامات حيث يميل الأبناء إلى استخدام التكنولوجيا لأغراض ترفيهية، بينما يركز الآباء على أبعاد أخرى مثل العمل والدراسة، مما يؤدي إلى استخدام متفاوت للأجهزة

بالإضافة الى أسباب أخرى تتعلق بالوضع الاقتصادي والبنية التحتية

تحديات أظهرتها الفجوة الرقمية:

فجوة المعرفة حيث يمتلك الأبناء مهارات تقنية متقدمة بسبب استخدامهم المستمر للتكنولوجيا، بينما قد يكون الآباء أقل معرفة بهذه الأدوات
اختلاف طرق التعبير اذ يعبر الأبناء عن مشاعرهم أو أفكارهم عبر منصات رقمية، بينما يفضل الآباء التعبير الشفهي أو الجسدي. هذا الاختلاف يمكن أن يؤدي إلى نقص في التفاهم العاطفي بين الطرفين ويضعف الروابط العاطفية بينهم
تأثير على التنشئة والعلاقات الاجتماعية وصعوبة توجيه الأبنائهم حول الاستخدام الآمن والصحي للتكنولوجيا بسبب عدم فهم الأباء الكافي لها بينما يفتقر الأبناء إلى التوجيه الأبوي في التعامل مع التحديات الرقمية، مثل إدارة الوقت أو التعامل مع المحتوى الضار أو غير المناسب.
التأثير على الهوية والشعور بالانتماء الأسري
تغير أساليب التواصل الأسري وغياب التواصل الفعال بسبب تفضيل التفاعل الرقمي مقابل التفاعلات المباشرة بين أفراد الأسرة وانخفاض جودة الحوار وتجنب المناقشات خوفا من عدم الفهم أو التعرض للنقد مما يؤثر على جودة العلاقات الأسرية.
عزلة كبار السن وهي من التحديات الاجتماعية البارزة بسبب صعوبة تكيفهم مع هذه التغييرات، مما يؤدي إلى تفاقم الشعور بالعزلة والانفصال عن الأسرة والمجتمع
صعوبة دعم الأبناء تعليميًا في ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في التعليم، قد لا يتمكن الآباء من مساعدة أبنائهم في أداء الواجبات المدرسية أو استخدام منصات التعلم الإلكتروني بسبب نقص المهارات الرقمية
تغير دور الوالدين كموجهين وكمرجع معرفي للبناء بسبب الاعتماد على الانترنت كمصدر للمعلومات مما نجم عنه صعوبة الرقابة الأسرية
تبني قيم رقمية أخرى تأثر بها جيل الإنترنت مختلفة عن تلك التي يؤمن بها آباؤهم، هذا الاختلاف يمكن أن يؤدي إلى صراعات قيمية داخل الأسرة.

لردم الفجوة أو التقليل منها لابد من التعلم المستمر والمتبادل بين الأبناء والأباء ومن الضروري الاستفادة من التكنولوجيا في تحسين الحياة اليومية، مثل استخدام التطبيقات للتخطيط العائلي أو لممارسة الهوايات والمشاركة في الأنشطة الاجتماعيةعن طريق:

• تعزيز المهارات الرقمية للآباء عن طريق تقديم دورات تدريبية للآباء لتعلم أساسيات استخدام الانترنت والبرمجة والأمان الرقمي واستخدام التطبيقات التعليمية حتى يتمكنوا من فهم عالم أبنائهم الرقمي
تعزيز التواصل المفتوح وتشجيع الحوار بين الآباء والأبناء حول استخدام التكنولوجيا، مع احترام وجهات نظر الطرفين.
. بناء ثقافة رقمية إيجابية داخل الأسرة مع وضع قواعد مُتفق عليها لاستخدام التكنولوجيا، وتحديد وقت مُناسب لاستخدامها، وتشجيع الأنشطة غير الرقمية، مثل القراءة والرياضة والهوايات الأخرى.
.   أهمية استعانة الأسر بالمرشد الأسري والنفسي لفهم المخاوف والتحديات وتقليل تأثير الفجوة على الروابط الأسرية

ونشدد على ضرورة تمكين الأباء من المهارات الرقمية لكونهم قدوة للأبناء ولبناء الثقة المتبادلة وتعزيز التواصل بينهم وضمان الاستخدام الآمن، حيث يساعد فهم الآباء للتقنية على توجيه أطفالهم نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للإنترنت والأجهزة الذكية.

  كما يمكنهم توفير الدعم اللازم في حل المشكلات التي قد يواجهونها وتعزيز التعلم من خلال الأنشطة التفاعلية والمشاريع المشتركة التي تعتمد على التقنية.

في ختام هذا المقال أؤكد أن الفجوة الرقمية بين الآباء والأبناء يمكن أن تؤثر سلبًا على الاستقرار الأسري إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح.

ومع ذلك يمكن من خلال تعزيز المهارات الرقمية للآباء وتعزيز التواصل المفتوح تحويل هذه الفجوة إلى فرصة لتجسير التواصل الأسري وتحسين جودة الحياة لبناء أسر قوية ومُترابطة في العصر الرقمي.

الدكتورة أمينة الزغامي
مستشارة أسرية وتربوية
مدربة قيادة أسرية ومدربة منظومة القيم التربوية
زر الذهاب إلى الأعلى